سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ١٣٤ثم قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً).
يرسم الله هنا مشهدا مروعا لنوع عقاب الضّالين من بعد أن فقدوا النّصراء في الدّنيا، فهم يحشرون يوم البعث يمشون على وجوههم منكبي الرّؤوس فاقدي حواس البصر والنّطق والسّمع. وهو الجزاء الوفاق لما كانوا يتطاولون به في الدّنيا إذ كانوا يقولون لرسول الله: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) (فصلت:5). وقد استشكل الأصحاب تلك الصّورة فقالوا لرسول الله: كيف يمشي النّاس على وجوههم؟. فقال: «الذي أمشاهم على رجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم».(1)
وما العجب في ذلك وفي المخلوقات أمثلة لوسائل المشي والحركة إذ قال تعالى: {وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُم مَّنْ يَّمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّنْ يَّمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّنْ يَّمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَآءُ) (النّور:45).
وقوله تعالى: {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً)، وخبت النّار: بمعنى انطفأت، والسّعير: بمعنى اللّهب المشتعل. والمأوى: هو المستقرّ. وهل خفوت النّار هو نوع من تخفيف العذاب عنهم؟. يقول الإمام ابن عاشور: "فالخبوّ وازدياد الاشتعال بالنّسبة إلى أجسادهم لا في أصل نار جهنم. ولهذه النّكتة سلّط فعل: {زِدْنَاهُمْ) على ضمير المشركين للدّلالة على أن ازدياد السّعير كان فيهم، فكأنه قيل: "كلما خبت فيهم زدناهم سعيرا، ولم يقل زدناها سعيرا".(2)
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، كتاب (44) التفسير، باب (17) من سورة بني إسرائيل، رقم 3142، وقال: هذا حديث حسن.
(2) 2 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير: 15/ 218.