سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ١٤٣لقد حفلت سورة الإسراء بالتّنويه بشأن القرآن وبيان منزلته، وقد تكرر ذكر اسمه فيها إحدى عشرة مرة -كما تقدم- خلال آياتها. فكأن من تأكيد الكلام في هذا النّسق أن تحفل خواتم السّورة بالحديث عن القرآن بأنه حق من عند الله، وأن الرّسول بشر به وأنذر بأمر الله فقال تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً).
فالضّمير عائد إلى القرآن، وعرف ذلك من السّياق. وتكرّر لفظ "الحق" مرّتين متصلا بالباء التي تدلّ على الملابسة والمصاحبة، كما تكرر لفظ "الإنزال" متعديا ولازما، فالحق هو الشّيء الثّابت الذي لا يطرأ عليه التّغيير، وهو من أسماء الله الحسنى: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) (النّور:25). فالله حقّ وكلامه حقّ لا ريب فيه.
وقوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ) هكذا بضمير العظمة هو كقوله:
أ) - {اِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:1).
ب) - {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ) (الدّخان:3).
فلعل المراد -والله أعلم- هو إنزاله من اللّوح المحفوظ جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا. وكون أنزاله بالحق، أي إن حكمة الله اقتضت ذلك، لما فيه من الرّحمة والهداية والشّفاء للناس لا لغرض باطل، وما نزل بالحق فهو يتضمن الحق لما يشتمل عليه من الميزان والعدل، ولما فيه من الأحكام يقوم عليها صلاح النّاس في الدّنيا والآخرة وهي كلها حق وصدق لم تشب بباطل، لا في ما يتعلق بالعقيدة، ولا في ما يتعلق بالشّريعة.
ويحتمل في قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) أي بواسطة جبريل عليه السلام وهو الأمين المطاع في الملإ الأعلى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) (الشّعراء:193 - 194).