نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإسراء

الجزء ١٠ · صفحة ١٤٤

وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً)، فما أروع وقوع هذه الجملة معترضة بين آيات التّنويه بشأن القرآن، يبيّن الله فيها مهمة رسوله بأنها تنحصر في مهمة البشارة والنّذارة بما في هذا القرآن فلا يحمّل نفسه فوق طاقتها على عدم إيمان قومه. فليس ذلك راجعا إليه كرسول مبلغ عن الله، ولا إلى الكتاب الذي نزل عليه لنقص فيه، بل أمر ذلك إلى الله وحده يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء. وفي هذه الجملة ردّ ضمنّي على الذين يعجبون من بشرية الرّسول أو يسألونه أشياء هي من خصوصيات الله وحده.

{وَقُرْءَاناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ' عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً):

الجملة معطوفة على قوله: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ). والتّنكير في {وَقُرْءَاناً) للتّعظيم. و {فَرَقْنَاهُ): أي أنزلناه مفرّقا منجّما في ثلاث وعشرين سنة وفق مقتضيات الظّروف والأحوال التي تدعو إليها حاجة التّشريع للأحكام. أو الإجابة عن أسئلة يقدمونها لرسول الله. ولبيان حكمة ذلك علله بقوله: {لِتَقْرَأَهُ' عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ)، فهو قرآن يتلى، ويقرأ على النّاس بتوءدة لتكون ألفاظه ومعانيه أثبت في نفوس السّامعين، يتجاوبون معه، وتتشربه قلوبهم شيئا فشيئا، فإذا حياتهم كلها تجسيد لهدي القرآن كما كان عليه الأصحاب رضوان الله عليهم. وفي هذا ردّ لشبهة الكفار إذ قالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) (الفرقان:32).

ثم أكّد الله معنى التّفريق والتّفصيل للقرآن بقوله: {وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)، هكذا بالفعل المضاعف وبالمفعول المطلق.

٢٬٩٩٣ / ٦٬٧٦٧