نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ١٧٠

بعد لجوء الفتية إلى الكهف عملا بنصيحة أحدهم وهم يرجون رحمة ربهم وما يهيّئه لهم من التيسير في أمرهم، ينتقل النصّ في هذا المشهد ليصوّر عناية الله بهم بعد استقرارهم في الكهف، وكيف استجاب دعوتهم في توفير أسباب الرّاحة والهدوء لهم فقال جلّ من قائل: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَّاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ).

الخطاب لغير معيّن، أي لكلّ مخاطب يصلح له. ولشروق الشّمس وغروبها نظام طبيعي قارّ في انعكاس أشعتها على وجه الأرض مع امتداد الظّل في سيرانها من المشرق إلى المغرب.

وعندما اقتضت رحمة الله أن ينام الفتية نوما طويلا، جعل الشّمس تميل عن الكهف فلا تتسرّب أشعتها إلى داخله؛ لأن من وسائل النّوم الهادئ أن يكون المكان مظلما، سخّر الله ذلك لهم مع كونهم في متّسع من الكهف يتعرّض لأشعّة الشّمس.

{ذَلِكَ مِنَ ءَايَاتِ اللهِ): الإشارة إلى ما ذكر من عناية الله بالفتية، أي أن الأفعال -وإن أسندت إلى الشّمس: طلعت، غربت، تزّاور- فإنّ يد الله الحانية وقدرته من وراء ذلك تدبّر وتصرّف، فإذا الشّمس طيّعة لما يريده الله لطفا بأولئك الرّقود المؤمنين المهتدين.

واقتضى ذكر هذه المعجزة أن تترتب عليها قضية الهداية والضّلال التي شغلت بال العلماء قديما وحديثا، فقال تعالى: {مَنْ يَّهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ’ وَلِيّاً مُّرْشِداً).

فأصحاب الكهف تشملهم هذه القاعدة، إذ هم داخلون في "مَنْ" الشّرطية. وإذ هم من الصّنف المهتدي فهم جديرون بالمدح والثّناء، فقد سلكوا سبيل الرّشد فهداهم الله إليه، وأمّا غيرهم ممن اختاروا الضّلال والكفر، فهم وما اختاروه لأنفسهم لا يجدون لهم وليّا مرشدا، وقد بسطنا القول في ما تقدم من التّفسير في قضية الجبر والاختيار فليرجع إليه.

٣٬٠١٩ / ٦٬٧٦٧