سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ١٧٤ولم يجد الفتية طائلا في ذلك التّساؤل ففوّضوا فيه أمرهم إلى الله، شأن المؤمن الوفيّ، ولكنهم إذ أحسّوا بالجوع فلا بدّ من السّعي لجلب الطّعام مدفوعين بغريزتهم الفطرية. فليقم أحدهم بذلك المسعى مزودّا بالنّقود القديمة التي حفظوها معهم، وقد عرضها أحدهم بدليل لفظ الإشارة "هَذِهِ"، ليذهب بها مبعوثهم إلى المدينة. ويلاحظ هنا أن تهيئة الأسباب والأخذ بها لا ينافي التّوكّل على الله، وقد تقدمت قصة أهل اليمن في عدم أخذهم للزّاد على طريق الحجّ فأنزل الله في شأنهم: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة:197).
كما أن الفتية لم يطلبوا مجرّد الطّعام من أي نوع كان، بل طلبوا الزّكيّ منه، أي البعيد عن الحرام والطيّب المذاق: {فَلْيَاتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمُ أَحَداً). فما أبلغ هذه الوصية من قوم هربوا بدينهم من الفتنة، فهم يعتقدون أن قومهم ما يزالون على الكفر، فلا بدّ -إذن- من الحذر، فليكن الجالب للطّعام من المدينة مترفّقا لطيفا في معاملته للناس حتى لا يعلم أحد بوجودهم ومكانهم.
ثم علّلوا وصيتهم بقولهم: {اِنَّهُمُ إِنْ يَّظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمُ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذاً اَبَداً).
هم في موقف الثّبات على الإيمان، فلا بدّ من الحذر والاحتياط؛ لأن الكفار إذا علموا بمكانهم فسيصبحون أمامهم بين أمرين:
أ) - القتل بالرجم حتى الموت، وهو أشنع القتل، ينفذ على من زاغ عن دينه في معتقد الجمهور.
ب) - وإما الارتداد إلى دين الباطل، وهو أشنع ما يبتلى به المؤمن في أوقات الفتة، وفي ذلك الخسران المبين.
فاللّهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، والله أعلم.
المشهد الرّابع مع خاتمة القصة:
العثور عليهم، واختلاف النّاس في عددهم،
ثم استخلاص العبرة من القصة
أ) - النّص:
/
/
/
/
/
/
/
/
//