نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ١٧٨

الضّمير في {سَيَقُولُونَ) عائد إلى غير مذكور، ليكون أشمل لكل من خاض في هذه القضية عند وقوعها حتى زمن التّنزيل، فهو جدل لا طائل تحته، ولذلك أبهم القرآن القول فيه، وأوكل العلم إلى الله تربية للأمة الإسلامية أن لا تنشغل بما لا فائدة فيه، كما فرّع الله النّهي لرسوله عن المراء والاستفتاء في هذه القضية، وعلّق على الذين يذكرون عدّة الفتية بأنه رجم بالغيب، فحقيقة عددهم لا يعلمها إلا الله، والعلماء القليلون ممن يتثبّتون الأخبار من مصادرها الصّحيحة. فالعبرة ليست في معرفة تلك التّفاصيل، بل في استخلاص ما في القصة من الحكم والمواعظ لتزكية النّفوس وتثبيت الإيمان.

{فَلاَ تُمَارِ فِيهِمُ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمُ أَحَداً): فرّع الله النّهي لرسوله عن المراء في معرفة عدد أهل الكهف، مما يدلّ على أن المشركين كانوا يخوضون في هذه القضية، كما ثبت أن وفد نجران لرسول الله قد سألوا عنها، فما عليه إلاّ أن يجادل فيها جدلا سهلا ليّنا، مما لا يثير حفيظة أحد، بحيث يقتصر الرّسول على ما ورد في القرآن الكريم من أخبار القصّة، دون تكذيب لأولئك المجادلين في تفاصيلها، أو استفتاء أحدهم عنها؛ لأنهم لا يعلمون عنها إلا تخرّصًا وتخمينًا. فقد أبهم الله تلك التّفاصيل لتتحقّق العبرة المرجوّة من تلك القصة فإنّ شرّ ما يبتلى به مجتمع من النّاس الوقوع في المراء والجدال وقد ورد في الأثر: "إذا أراد الله بقوم شرّا سلّط عليهم الجدل ومنعهم العمل".

وعن غيب المستقبل يقول تبارك وتعالى: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ اِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً، اِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَّهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً).

٣٬٠٢٧ / ٦٬٧٦٧