سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ١٩٤وقوله تعالى: {لَهُم) مخاطبا رسوله، فإنّ الضّمير يرجع إلى المشركين المنتفشين بعزّتهم وكبريائهم، أو الضّمير يعود إلى المؤمنين والكافرين على اعتبار استفادة الفريقين من المثل الذي يعكس أحوال النّاس في الطّغيان والاستكبار، أو في القناعة والتّواضع والشّكران. وبما أن المقصود الأول من المثل هو زجر المستكبرين وبيان عاقبتهم الوخيمة فقد بدأ الله بالرّجل الغنيّ المستعلي بغناه فقال: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنَ اَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً).
رسم الله تعالى صورة بديعة للجنتين في حسن تنسيقهما بشكل يجعلهما معطاءين بوفرة غلالهما التي تجمع بين الحبوب والفواكه للقوت واللّذة. وقد تدبّرت الحكمة أو النّكتة في ذكر: {جَنَّتَيْنِ) للرجل الغنيّ، ولم لا تكون ضيعة واحدة واسعة الأطراف؟ فإذا بالإمام "ابن عاشور" يهتدي للحلّ إذ يقول: " ومعنى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً) ألهمناه أن يجعل بينهما، وظاهر الكلام أن هذا الزّرع كان فاصلا بين الجنتين، كانت الجنتان تكتنفان حقل الزّرع فكان المجموع ضيعة واحدة".(1)
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير: 15/ 317.