سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ١٩٦ولم يقتصر صاحب الجنتين على غلال جنتيه، بل كانت له موارد أخرى من الرّزق إذ قال تعالى: {وَكَانَ لَهُ’ ثُمُرٌ)، أي المال الكثير المختلف في أنواعه، ويدخل في ذلك الأولاد؛ لأن الولد من كسب أبيه، فقد كملت لهذا الرّجل الغنيّ أسباب الثّروة والجاه، فكيف واجه تلك النّعمة، وكيف كان ينظر إلى صاحبه الفقير؟ ذلك ما بيّنه الله بقوله: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَآ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا).
والمقصود بالصّاحب: الرّجل الفقير، وقد يكون صاحبك خصما لك، فتندّ مجادلته -أحيانا- إلى الملاحاة والخصام، فبادأ الغنيّ صاحبه بالمفاخرة والاستعلاء بأنه أكثر مالا، وأنّه في عزة من قومه وعشيرته. والتّعاظم بالآباء والأجداد جريرة حاربها الإسلام بأن جعل العزة لله جميعا، فلا يعتز المؤمن بغير الله، لأنّه من فعل ذلك فهو ذليل حقير، ومن اعتزّ بغير الله ذلّ. وها هو الرّجل الغنيّ لا يقتصر على التّعالي بالكلام على صاحبه الفقير، بل استدرجه في الدّخول معه إلى جنته حتى يريَه عيانا مناظرها البهيجة وخيراتها الكثيرة قال تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ’ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً، وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدْتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً).
لم يكن دخوله عاديا إلى تلك الجنة، بل كان يحمل في نفسه خواطر سيّئة تنبع من الشّعور بالكبرياء أمام صاحبه الفقير الضّعيف، وللنفس الإنسانية دوافع متناقضة، فحين تتغلّب الشّهوة عليها فهي أمّارة بالسّوء، وحين تخامرها الإشراقات الإيمانية فهي لوّامة رادعة، فصاحب الجنة -وإن لم ينطق بكلمة الكفر صراحة- فهو بحاله النّفسية وأقواله المنكرة لم يكن على فطرته السّليمة، إذ تطاول على قدر الله، ونسي شكر النّعمة فحكم بدوام الجنة فقال: