سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ١٩٧أ) - {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً): فقد اغترّ بما تهيأ له من نعيم تلك الجنة، فظنه باقيا لا يفنى، وهكذا الطّغيان في الإنسان: {كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنى) (العلق:6 - 7). ألم يغترّ فرعون بنهر النّيل وما يقوم عليه من جنات فقال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الاَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيَ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) (الزّخرف:51).
وليت صاحب الجنة اكتفى بزهوه الدّنيويّ، بل انتقل إلى استبعاد قيام السّاعة، استخفافا بصاحبه الذي يعتقد ذلك ويؤمن به، وقد توقّع منه الرّدّ العاجل فبادره بقوله: {وَلَئِن رُّدِدْتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهُمَا مُنْقَلَباً)، قال ذلك سخرية وتهكّما بصاحبه، وما تأكيد كلامه بالقسم إلا مبالغة في ذلك التّهكّم.
ويستروح من قوله: {وَلَئِن رُّدِدْتُّ إِلَى رَبِّي) اعترافه بربوبية الخالق بأنه المنعم الرّازق، ولكنه على غرار الكافرين يتخذ لله وسطاء وشفعاء، فهو يتمنّى على الله ويدّعي بأنّ ما أعطاه في الدّنيا دليل على تكريمه إياه، ولسوف يزيده تكريما في الآخرة عندما يردّ إليه، فهو لذلك ظالم لنفسه من جهتين:
أ) - اعتقاده ببقاء الجنة على حالها لا ينالها هلاك.
ب) - اعتقاده بعدم إتيان يوم القيامة، لأن تعبيره بـ"إن" يدلّ على الشّك.
ثم يستمرّ الحوار بينه وبين صاحبه بلغة الوعظ والنّصح فيقول: {قَالَ لَهُ’ صَاحِبُهُ’ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ’ أَكَفَرْتَ بِالذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً، لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلآَ أُشْرِكُ بِرَبِّيَ أَحَداً، وَلَوْلآَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ).