نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ١٩٨

خاطب الرّجل المؤمن صاحبه بلغة التّعجّيب والإنكار، مذكّرا إياه بقدرة الخالق في أطوار خلقته حتى استوى رجلا كاملا يخاصم الله ويكفر نعمته ويتدلّل عليه بالأماني الكاذبة. ثم يعطيه مثلا من نفسه في الإيمان الخالص لله، فعبّر بما يدلّ على ضدّ اعتقاد صاحبه، فأتى بحرف الاستدراك "لَّكِنَّا" مدغما فيها ضمير المتكلم "أنا" بتقدير: لكن أنا أقول: {هُوَ اللهُ رَبِّي). فأكّد الجملة بضمير الشّأن ووصف الذّات العلية بالألوهية والرّبوبية مؤكدا ذلك بالتّوكيد اللّفظي: {وَلآ أُشْرِكُ بِرَبِّيَ أَحَداً).

ولا يكتمل الإيمان إلا بنفي الإشراك جليه وخفيه عن الله، فهو إذ يعطي المثل من نفسه يعلّم صاحبه كيف يكون مؤمنا حقا؛ لأنّ من مقتضيات الإيمان الحقّ أن يحبّ المؤمن لغيره ما يحبّ لنفسه.

ثم تابع الرّجل المؤمن نصحه فقال: {وَلَوْلآَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله)، تابع الرّجل المؤمن إنكاره على صاحبه بأداة "لَوْلا" التي تدل على التّحريض، فقدّم إليه وصفة روحية عظيمة الفائدة يقولها المؤمن عندما تهزّه نعمة أو يبهره منظر جميل. وحتى لا يفتن بذلك يقول: {مَا شَآءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ). وبذلك يكون قد ربط النّعمة بمصدرها، فيستديمها بالشّكر، وقد اعترف بقدرة الله وقوته وحكمته في تدبير شؤون خلقه. وما تلك الجنة إلا نتيجة لما أقدر عليه الإنسان بتسخير قواه البدنية والعقلية في الإنجاز والتّنسيق، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: "ما شاء اللهُ لا قوة إلا بالله"، فيرى فيه آفة دون الموت».(1)

(1) 1 - رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس، رقم 4199.

٣٬٠٤٧ / ٦٬٧٦٧