سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٣٢فإذا صحّ هذا الحديث فليس في ادّعاء موسى انفراده بالعلم أمام أتباعه ما يعاب عليه، عندما غفل أن يردّ العلم إلى الله تعالى. ولكن المولى -جلّت حكمته- قرّر أن يعلّمه ما ينبغي أن يكون عليه من الأدب النّبوي الرّفيع من خلال وقائع هذه القصة العجيبة. وللإمام الشّعراوي ملحظ دقيق في ذكر سبب القصة. وهذا مختصر ملاحظته إذ يقول: "وسبب قصة موسى عليه السلام يقال: إنه سأل الله -وكان له دلال على ربّه- والذي أطمعه في هذا المطلب أن الله كلّمه، فأطال موسى الكلامَ مع ربّه، فأراد أن يطيل أمد الأنس بكلام الله والحديث معه لذلك سأله: يا ربّ أيوجد في الأرض أعلم مني؟، فأجابه تبارك وتعالى: نعم في الأرض من هو أعلم منك، فاذهب إلى مجمع البحرين، وهناك تجد عبدا من عبيدي هو أعلم منك".(1)
قلت: مثل هذا السّعي الحثيث من موسى عليه السلام لمعرفة العلم اللّدنّي الذي خصّ الله به العبد الصّالح الخضر عليه السلام يدلّ على شرف ذلك العلم، وأنه غير النّبوءة التي تأتي بواسطة الملك جبريل، وبواسطة الرّسول المختار. فقد وضّح الشّيخ الشّعراوي الفرق بينهما فقال: "علينا أن نفرّق بين علم وفيوضات تأتي عن طريق الرّسول وتوجيهاته، وعلم وفيوضات تأتي من الله تعالى مباشرة لمن اختاره من عباده؛ لأنّ الرّسول يأتي بأحكام ظاهرية تتعلق بالتّكاليف: افعل كذا، لا تفعل كذا. لكن هناك أحكام أخرى غير ظاهرية لها علل باطنة فوق العلل الظّاهرية وهذه هي التي اختصّ الله بها هذا العبد الصّالح "الخضر" كما سمّاه النّبي صلى الله عليه وسلم".(2)