سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٣٤ونون العظمة في قوله: "نبغي" أهي للتعظيم يقصد بها موسى نفسه، أم هي لمشاركة فتاه معه في ذلك المبتغى فيكون الفتى على علم من غرض السّفر؟. وعلى أيّ احتمال فإن الفتى عند الارتداد إلى موضع الصّخرة يختفي من مسرح الأحداث في ما ذكره النّصّ القرآني، ومن ثمّ يبقى ذلك اللّقاء مع العبد الصّالح على انفراد لموسى. ويطوي النّصّ مصير الفتى.
ثم تتتابع المحاورة وتجري فصول المشاهد بعدها بين موسى ومعلّمه العبد الصّالح، والذي وصفه الله بقوله: {ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً).
فالصّفة التّشريفية الأولى أنّه عبد من عباد الله الأوفياء، وعلى ما خصّه به من كرامات فهو من عباد الله الكثيرين.
ب) - والصّفة الثّانية: {ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا)، ومن معاني الرّحمة: النّبوءة، في قوله تعالى: {اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) (الزّخرف:32). إما لكونه رحيما بالنّاس، أو هو مرحوم بعناية الله له؟. وعلى أي احتمال فهي رحمة خاصة له من عند الله مباشرة، كما أعطاه العلم اللّدني.
ج) - {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً): وهو علم المكاشفات الغيبية -كما تقدم- فهو إذن في هذا المجال أعلم من موسى كما أخبره الله، فنجده يتودّد إليه ويتلّطف بأدب رفيع، وهو مثال نموذجي لما يجب أن يكون بين التّلميذ ومعلّمه.
{قَالَ لَهُ’ مُوسَى هَلَ اَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً، قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللهُ صَابِراً وَلآَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلَنِّي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً):