نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ٢٣٥

دارت هذه المحاورة الشّيّقة بين موسى ومعلّمه، فنلاحظ ذلك الأدب النّبويّ الرّفيع من موسى إذ وجّه طلبه بصيغة الاستفهام الدّالّ على العرض. وطلب العلم في مصاحبةٍ للمعلّم الرّاشد ممّا خصّ الله به العبد الصّالح زيادة على ما يتمتع به موسى من علم النّبوءة، مما يدلّ على الطّموح الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم على قاعدة: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف:76). وقاعدة: علمت شيئا وغابت عنك أشياء.

وبما أن العلم اللّدنّي ليس هو بالعلم البشريّ الواضح الأسباب، والذي جاء به موسى في مجال التّكليف، فإنه يكون أمام أسرار العلم اللّدنّي عاجزا حائرا في فكّ ألغازه، ومن ثمّ لا يطيق صبرا أمام ما سيشاهده من تصرّفات العبد الصّالح الذي بادره بقوله: {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً).

تأكدت هذه الإجابة بمؤكدات تدلّ على الشّروط الصّعبة لتلك الصّحبة المطلوبة، وكان العبد الصّالح يعتذر لموسى إن لم يطق صبرا لما سيشاهد من أفعال هي منكر في حكم شريعته ولكنها معروفة باعتبار حكمتها ومآلها فقال له معلّمه: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)، ولكن موسى عقد عزمه على الاطّلاع والتّعلّم فجاءت إجابته مقرونة بمشيئة الله تأدّبا واستمالة لقلب المعلّم، ووفاء بواجب المتعلّم، والذي يتمثل في أمرين:

أ) - {قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللهُ صَابِراً): فالصّبر هو سلاح المتعلم، سيما إذا كان يزاول موضوعات تتّسم بالصّعوبة والمشقّة، كما يحدث لكثير من الطّلبة مثلا في علوم الرّياضيات والفيزياء، ويقتضي هذا الصّبر المطلوب أن يكون الطّالب طائعا لمعلمه. وذلك ما عبّر عنه موسى بقوله:

ب) - {وَلآَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً): وهذا أبلغ من قوله: "ولا أعصي أمرك"؛ لأنّ إيراد النّكرة أمرا في سياق النّفي هو للشمولية والاستغراق.

٣٬٠٨٤ / ٦٬٧٦٧