نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ٢٣٦

ولمزيد من تأكيد شروط الصّحبة قبل بدء الرّحلة فرّع العبد الصّالح على وعد موسى بالصّبر والطّاعة، فرّع شرطا آخر يلتزم به المتعلم فقال له: {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلَنِّي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً)، أكد النّهي لتحقيق حصول ما التزم به موسى فلا يسأل معلمه عن شيء وقت قيامه بأيّ تصرّف يبدو له غريبا حتى يكشف له عن سرّ ذلك بعد الحادثة، ويرضى موسى بتلك الشّروط ثم تبدأ الرّحلة، فينطلق الرّجلان معا صوب سفينة لنقل الرّكاب، فيأخذان مكانهما، وتبدأ المفاجآت المحيّرة لموسى وينسى وعده لمعلمه.

قال تعالى: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً اِمْراً):

فنحن أمام المشهد الأول من رحلة المصاحبة المباركة، وها هو العبد الصّالح يبادر بخرق السّفينة، وجاء التّعريف فيها للعهد الذّهني، والتّعبير بـ"إذا" يدل على القيام بالخرق إثر الرّكوب مباشرة، فلم يطق موسى صبرا على ما رآه ناسيا شرط الصّحبة أمام ذلك التّصرّف العجيب الذي يعني غرق السّفينة، فقال مستنكرا: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً اِمْراً).

فلم يكتف موسى بالاستنكار، بل اتهم معلمه باقتراف منكر فظيع، مما يدلّ على حدّة الطّبع، والحالة الانفعالية التي كان عليها.

يقول سيد قطب معلقا على هذا الموقف: "والإنسان قد يتصوّر المعنى الكليّ المجرّد، ولكنّه عندما يصطدم بالتطبيق العملي لهذا المعنى والنّموذج الواقعي منه يستشعر له وقعا غير التّصوّر النّظري، فالتّجربة العملية ذات طعم آخر غير التّصوّر المجرّد".(1)

(1) 1 - سيد قطب، في ظلال القرآن: 17/ 397.

٣٬٠٨٥ / ٦٬٧٦٧