سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٤٠غير أن التّعبير بقوله تعالى: {اَنْ يُّضَيِّفُوهُمَا) فيه من التّصوير البديع لمدى لؤم وبخل أهل القرية. وذلك بالتّأكيد على لفظ "الأهل" بتكراره، والرّبط بالفاء يدلّ على أن البخل كان فيهم سجية، إذ كان منعهم الطّعام مباشرة بعد طلب الرّجلين. ويؤيّده قوله تعالى: {فَأَبَوَاْ اَنْ يُّضَيِّفُوهُمَا)، ففعل الإباء يكون متعمّدا، ثم إن اختيار صيغة الجمع: "فَأَبَوَاْ" يؤكد ذلك أيضا، ضرورة أن الرّجلين لم يطلبا جميع أهل القرية، حتى لكأنهم مجمعون على ذلك اللّؤم والبخل.
ثم يقول تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَّنقَضَّ فَأَقَامَهُ)، أي أن الرّجلين عاينا معا ذلك الجدار الذي هو على وشك السّقوط، ولكن الله أسند فعل التّرميم والإقامة إلى العبد الصّالح، لأنه صاحب المكاشفات الغيبية، ولم يبيّن النصّ كيف أقام ذلك الجدار وهل رمّمه أو جدّد بنيانه كلية؟ لا يهمّ ذلك التّفصيل فهو يفعل ذلك بأمر الله، وهو الذي ييسّر عليه أمره.
ولكن موسى لم يتمالك مرة أخرى أمام ما يراه من التّناقض في أفعال صاحبه، فالسّفينة السّالمة خرقها، بينما هنا يقيم الجدار المائل، حقا إنها تصرّفات عجيبة تبعث على التّساؤل فقال موسى لصاحبه: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذتَ عَلَيْهِ أَجْراً).
نلاحظ الأدب العالي في تعبير موسى بـ"لو"، إذ ليس في كلامه عتاب مباشر لصاحبه، عندما قابل إساءة أهل القرية بذلك الإحسان، إذ لا بدّ للجهد البدني من عوض. فملاحظة موسى كانت وفق المألوف العرفي عند النّاس، بل حتى الحكم الشّرعيّ العادل. ولكن العبد الصّالح ينهي حيرة موسى بما وعده به من تأويل ما رأى فقال له: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً).