سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٦٠وهل جاء وعد الله واندّك ذلك السّدّ في ما مضى من تاريخ البشر؟. الله أعلم بذلك؛ لأن النّصّ لا يحدّد زمان ذلك، ولأنّ اقتراب الوعد الحق يعني اقتراب قيام السّاعة. ويقول الرّسول: «بعثت والسّاعة كهاتين فقرن السّبابة بالوسطى».(1)
ولا يعلم إلا الله كم من قرون تسع ذلك الفارق الضئيل في الطّول بين السّبابة والوسطى، وها نحن نعدّ اليوم خمسة عشر قرنا بيننا وبين بعثة رسول الله، ولا يزال الفلك يدور كما خلقه الله من ملايين السّنين؛ ذلك لأن الحساب الإلهي في عمر الكون غير الحساب البشري الضّيق المحدود: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) (الحج:47).
وهكذا تنتهي رحلات ذي القرنين بما مكّن الله له في الأرض وبما يسّره له من الأسباب، ونحن نستنتج منها فوائد جمّة نلخّصها في ما يلي:
أ) - يقتضي العمران البشريّ أن يقوم على شؤون المجتمعات البشرية أصحاب الحلّ والعقد والذين وصفهم الله بأولي الأمر وجعل طاعتهم واجبة بعد طاعة الله ورسوله.
ب) - لا تستقيم أمور الرّعية إلا بصلاح الرّاعي وقيام مسؤوليته على الحق والعدل، فلا يستذلّ العباد ولا يرهقهم بما لا يطيقون في جهدهم وأموالهم.
ج) - إذا مكّن الله لحاكم في الأرض فيجب عليه أن يقيم مشاريع عمرانية تكفل أرزاق العباد وتؤمّن حياتهم من الفتن الدّاخلية والاعتداء الخارجي، وكذا المحافظة على ثروات البلاد فلا ينفقها إلا في ما يعود على الجميع بالخير العميم، وأن يستعفف الحاكم عن الأموال العمومية كما فعل ذو القرنين مع القوم المستغيثين به.
د) - يستعين الحاكم بجهود مواطنيه في المشاريع الضّخمة سواء بالأعمال التّطوعية أو بقسط من أموالهم على قدر الضّرورة والحاجة.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي، كتاب (68) الطلاق، باب (25) اللعان، رقم 5301.