سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٥٩فكان من نتيجة هذا العمل الضّخم أن أصبح السّدّ بين القوم وياجوج وماجوج حصينا منيعا صلبا أملس، فلا هم يستطيعون تسلّقه ليسوّروه من أعلى، ولا هم يستطيعون إحداث ثقب فيه يكون نفقا يتسللون منه.
ولنا أن نتصوّر -ونحن في عصر الصّناعات المعدنية الثّقيلة- مدى الجهد والفن اللذين ثمّ بهما بناء هذه الأعجوبة بمثل تلك الكيفية التي لا تتوفّر فيها الوسائل التي يعرفها العصر الحديث، والأعجب من ذلك أن يتمّ لوجه الله وشكرا لنعمه دون مقابل أجر معقول ومشروع.
ويقف ذو القرنين أمام ما أنجزه موقف الشّاكر الحامد لفضل ربه ورحمته، وأنه تعالى سوف يدكّ ذلك السّدّ كبقية الجبال والأشياء الأخرى على ظهر الأرض، فهو مؤمن بقدرة الله وأن الأمر يرجع إليه كلّه. فما هو إلا منفذ لما قدره الله، يحمده تعالى أن جعله وسيلة لإنجاز ذلك المشروع الضّخم، فهو لا يزهو ولا يتعاظم بقوته كما يفعله المغرورون بقوتهم وحظوظهم. يعبّر عن اعتزازه بربّه وإجلاله له بترديد كلمة: {رَبِّي) ثلاث مرات في جملة واحدة.
وقوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ’ دَكًّا وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً) هو تعبير صادق عن إيمانه بوقوع السّاعة، وأن من أشراطها اندكاك ذلك السّدّ وانفتاحه لهجمات ياجوج وماجوج.
ونتساءل هنا: هل تمّ ذلك في الواقع التّاريخي، وكيف تمّ؟. فعلى افتراض أن ياجوج وماجوج هم التّتار والمغول، فإنّ التّاريخ قد سجّل هجماتهم المفسدة واكتساحهم لمماليك الأرض تصديقا لرؤيا رسول الله كما ورد في الحديث المتقدم عندما استيقظ من نومه وهو يقول: «ويل للعرب من شرّ قد اقترب».