سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٧٢قلت: التّعبير بـ "لَهُمْ" بعد "كَانَ" تدلّ على معنى الملكية والاستحقاق، فكأنهّم لعقيدتهم الصّحيحة وعملهم الصّالح في الدّنيا قد اشتروا تلك الجنات لتكون مستقرّهم في دار البقاء، والله تعالى قد غمرهم برحمته وفضله، إذ هداهم إلى ذلك.
وقوله تعالى: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً)، أي: إذا كان من طبيعة الإنسان الملل في الحياة الدّنيا، فإن أحكام تلك الدّار ليست كهذه؛ لأنّ من خصائص الجنة الاستقرار، كما وصف المولى تبارك وتعالى وضعية أصحابها إذ قال عنهم في سورة الحجر: {اِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ -امِنِينَ، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ اِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ) (الحجر:45 - 48).
فإذا كانت طبيعة الحياة الدّنيا متقلبة من حال إلى حال في مظاهرها المادية والمعنوية، وكان الإنسان خلالها ذا طبع ملول لا يرضى بحال واحد، فإن دار النّعيم على ما خصّها الله به من الدّوام والبقاء، فكذلك يكون أصحابها منعّمين؛ لأنّ طبيعة الأرض قد انسلخت عنهم، فلا غلّ ولا حسد، ولا ضيق ولا ملل، ولا خوف ولا وجل، فهم في دار النّعيم والكمال المطلق، فلا تنازعهم نفوسهم إلى شيء وراءه، اللّهم إلاّ طلب الرّضوان من الله تعالى كما قال: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التّوبة:72).