سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٧٣وقبل اختتام السّورة بتقرير المنهج الإلهي الذي هو طوق النّجاة للإنسان، وعلى ذكر الأخسرين من النّاس بكفرهم وضلالهم، يضرب الله المثل لسعة علمه اللامتناهي في تصوير بديع بمثال محسوس يتضاءل أمامه العلم البشري المحدود، حتى ينكشف لذهن الإنسان المعنى الكليّ المجرّد في صورة محسوسة يعيشها ويدرك أبعادها. والبحر هو الخلق العظيم الذي يمثل للإنسان السّعة والعظمة في ما يعرفه من أجزاء الأرض المحدودة، كما أنّ الكتابة هي وسيلته المثلى لتسجيل الحقائق العلمية التي يتوصّل إليها فقال تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً).
وما روي في سبب نزول هذه الآية يعطينا نموذجا ملموسا لغرور هذا الإنسان -أحيانا- بما أوتيه من العلم، فقد أخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرّجل. فقالوا: سلوه عن الرّوح، فسألوه، فنزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85). وقالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التّوراة، ومن أوتي التّوراة فقد أوتي خيرا كثيرا. فنزلت: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً).
قلت: كان اليهود يشيرون بقولهم ذلك إلى ما قاله المولى في سورة البقرة: {يُوتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (269). فيزعمون أن بين هذه الآية وبين قوله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85)، يزعمون أنّ بين الآيتين تناقضا، ولكنه المراء الكاذب، إذ ليس بين الآيتين تناقض إطلاقا.