سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٧٥ولما كان رسل الله محلّ امتياز بما حباهم الله من الرّسالة والوحي، فربّما يظنّ ظانّ أنّ أفقهم يرتقي فوق أفق البشرية لاتصالهم بالملإ الأعلى، فبيّن الله أنهم لا ينفكون -أيضا- عن بشريتهم المحدودة بالقياس إلى أفق الألوهية فأمر الله رسوله أن يقول للناس: {قُلِ اِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، فالمثلية في البشرية تقتضي أن يكون الرّسول في وجوده المادي تجري عليه نفس الأحكام التي تجري على سائر البشر، فهو مخلوق من أب وأمّ ويمرّ بمراحل العمر مثل غيره من النّاس، وتتعاوره الحالات النّفسية من حزن وسرور وانشراح وضيق ولذّة وألم … إلخ. إلاّ أنّه ميّزه الله بالعصمة من الخطايا، وقوّى فيه الجانب الرّوحي ليتّصل بالملإ الأعلى.
{يُوحَى إِلَيَّ): والوحي هو الكلام الخفيّ يتلقاه الرّسول على الحالات التي بيّنها القرآن فقال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ اِنَّهُ’ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشّورى:51).
وبما أن القاعدة الأساسية التي جاء وحي الله لتركيزها هي وحدانية الله فقد أجمل ذلك في قوله: {يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، فكل معبود سواه مما عبدتم من دونه فهو كفر وضلال.
{فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً):
فإذا كانت مهمّة رسل الله على اختلاف شرائعهم هي أن يرتقوا بهذا الإنسان ليبلغ ذاك الأفق السّامي في جوار الله ونعيم رضوانه، فإنّ المرقاة التي تسمو بهم إلى الحظيرة القدسية هي: