سورة الكهف
الجزء ١٠ · صفحة ٢٧٤ولدفع ذلك اللّبس تجيء هذه الآية الكريمة لتبيّن بجلاء سعة علم الله اللامحدود -ومنه سرّ الرّوح المسؤول عنه- إذ أغلق الله باب معرفته عن علم البشر؛ لأنّه قليل محدود لا يقاس بعلم الله اللامتناهي، وقد يغترّ النّاس بما عندهم من العلم ممن تنكشف لهم بعض الحقائق العلمية في الآفاق وفي أنفسهم. فيحسبون أنهّم بذلك قد علموا كلّ شيء. فيقال لأمثال هؤلاء: "علمت شيئا وغابت عنك أشياء".
وبهذا المثل الحيّ الذي ضربه الله لسعة علمه يتضاءل غرور الإنسان حين يعلم أن أقصى ما يمكن أن يبلغه من العلم كما يشاء الله إلى قيام السّاعة، فسيظل أن يكون علم الله أمامه كما يكون البحر مدادا لقلمه، ويمدّه الله ببحر آخر من المداد، فسينفد البحر ولا تنفد كلمات الله، فشتان شتان، فليطامن هذا الإنسان من كبريائه، فإذا اغترّ بعقله فمن الذي سخّر له ذلك العقل وقد خرج من بطن أمّه لا يعلم شيئا؟. فالعلماء الحقيقيون الذين قال الله في شأنهم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28) إنّما هم ذلك الصّنف من العلماء الذين طال باعهم وعظمت حصيلتهم في المجال العلمي فأوصلهم إلى الإيمان اليقين في الله وكتبوا في ذلك ما يكفكف من غلواء المتعالمين المتفيقهين. وذلك ما حدا بالعالم الفيزيائي "أنشتاين" أن يقول: "قليل من العلم يوصل إلى الكفر والإلحاد، وكثير من العلم يوصل إلى الإيمان".
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة لقمان: {وَلَوَ اَنَّمَا فِي الاَرْضِ مِن شَجَرَةٍ اَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ’ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27).