الباب الثالث: في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب
الجزء ١ · صفحة ١١٦للرسل والأنبياء صفات واجبة في حقهم ولهم صفات مستحيلة في حقهم، وصفات ممكنة في حقهم، ويلزم المكلف معرفة كل واحد من هذه الصفات بعد قيام الحجة به عليه، فيجب في حق الأنبياء والرسل التبليغ لما أمروا بتبيلغه، دون ما لم يؤمروا بذلك، ودون ما خيّروا في تبليغه، ويجب اتصافهم بالصدق وهو مطابقة خبرهم للواقع، ويجب اتصافهم بالأمانة وهي حفظ ما ائتمنوا عليه ووضعه في موضعه، وأداؤه إلى أهله، ويجب اتصافهم بالعقل، فلا يكون المجنون رسولاً ولا نبياً، ولا يكون النبي صبياً أي متصفاً بصفات الصبيان من عدم الاتصاف بموجبات العقل، فيخرج بهذا التقييد يحيى تعالى لقوله تعالى: (وآتيناه الحكم صبياً)(10 ) وكذا من كان مثله.
حاصل ما في المقام أن الواجب الاتصاف بالعقل، فإذا حصل في أحد فلا عبرة بكثرة عدد السنين وقلته، ويجب في حقهم الضبط أي حفظ ما أمروا بتبليغه وضبطه حتى يؤدوه على وجه لا يكون فيه خلل، ويجب في حقهم الفطانة وهي اليقظة في الأمور، ليحصل لهم بذلك محاورة الخصم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، ويستحيل في حقهم أضداد هذه الصفات، من ذلك الكذب، وهو عدم مطابقة الخبر لما في الواقع، ومن ذلك الجنون وهو زوال العقل، ومن ذلك ارتكاب الريب أي المعاصي، فإنهم لو ارتكبوها ما كانوا أمناء في أوامر ربهم في أنفسهم، فلا يكونون أمناء من غير ذلك، وما عدا هذه الصفات التي ذكرناها، فهي في حقهم من الممكن لهم، والجائز اتصافهم بها، وذلك مثل النوم والأكل والشرب والجماع والمشي في الأسواق، وغير ذلك من المباحات، نعم يستثنى من ذلك ما كان مستقبحاً منها في العقل كالبول قياماً، فإن العقل يستقبح ذلك في أدنى البشر، فكيف يستحسنه في أعلاهم، على أن الغرض اتصافهم بمكارم الأخلاق وليس هذا منها.