الباب الخامس: في القضاء والقدر
الجزء ١ · صفحة ١٥٤الباب الخامس من الركن الثاني: في القضاء والقدر
ومما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره، لأنهما أصلان من أصول الدين، وركنان من الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم لعبادة بن الصامت: «إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله (تعالى)»، قال يا رسول الله: وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟ قال: «تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير ذلك دخلت النار»( 1)، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ولقائه، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله (تعالى)» ( 2).
والفرق بينهما؛ أن القضاء عبارة عن وجود المكونات في اللوح إجمالاً، والقدر عبارة عن وجودهما في المواد تفصيلاً، قال (تعالى): (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم)( 3) وعليه قوله صلى الله عليه وسلم وقد مرت تحت جدار مائل فأسرع المشي، فقيل: يا رسول الله أتفر من قضاء الله؟ فقال: «أفر من قضاء الله إلى قدره»( 4)، هذا في العرف الشرعي، وأما في اللغة فيتصرف كل منهما إلى أوجه، فيرد القضاء بمعنى الخلق، وهو المراد هنا قبل النقل، كقوله (تعالى): (فقضاهن سبع سماوات في يومين)(5 )، ويرد بمعنى الحكم كقوله (تعالى): (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة)( 6)، ويرد بمعنى الأمر كقوله (تعالى): (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)( 7)، ويرد بمعنى الخبر كقوله (تعالى): (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب)(8 )، وبمعنى الفراغ من الشيء كقوله (تعالى): (فإذا قضيت الصلاة)( 9)، وقوله الشاعر:
وبمعنى الصنع للشيء كقوله (تعالى): (فاقض ما أنت بقاض)( 11) أي اصنع ما أنت صانع، وقول الشاعر:
فتلك ستة معان، وقد جمعتها بقولي: