الباب الخامس: في القضاء والقدر
الجزء ١ · صفحة ١٦٣وإذا عرفت سقوط تعلقهم بهذه الآيات، فارجع إلى الوقوف على الاحتجاج عليهم، وبيان ما يؤدي إليه مذهبهم فاعلم أن الاحتجاج عليهم من الكتاب العزيز كثير، منها ما أوردته المعتزلة استدلالاً لهم على خلق أفعالهم، فإن جميع ما مر في ذلك مناف للجبر الذي زعمه هؤلاء، ومنها آيات الاكتساب، فإنها مصرحة بإضافة الكسب إلى العبد قطعاً، وإذا ثبت لهم الكسب انتفى الجبر، لأنهما متضادان.
وأما ما يؤدي إليه مذهبهم من البطلان فهو ما أشار إليه الناظم بقوله: «لو كان هذا..الخ» أي لو صح مذهب الجبرية(66 ) وثبت القول بالجبر للزم عليه بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأن العبد إذا لم يكن له قدرة على فعل شيء من المأمورات، ولا على ترك شيء م المنهيات كان توجيه الأوامر والنواهي إليه عبثاً ينزه الباري (تعالى) عنه، وإذا بطل توجيه الخطاب إليه بالأمر والنهي بطل توجيه الوعد والوعيد إليه، لأن الوعد مترتب على فعل الأوامر، والوعيد مترتب على فعل المناهي، وإذا بطل هذا كله بطل إرسال الرسل، لأنهم إنما يرسلون لذلك، ومع بطلان ذلك فلا فائدة ولا حكمة في الإرسال، فيؤدي مذهبهم إلى إبطال النبوات كما ترى، نعم ويؤدي إلى إبطال التكليف رأساً، لأن من لا اكتساب له ولا اختيار لا يصح في الحكمة تكليفه، كما لا يصح تكليف النباتات والجمادات، وهذا معنى قوله: «وجاز تكليف الجماد كالنبل» جميع نبيل وهو العاقل.
ثم إنه لما كان للجبرية شبه في خلق الله (تعالى) لأفعالنا، وفي علمه بهن وفي إرادته لهن، أخذ يدفع وجه الشبه في ذلك، ويبين أن هذه الأشياء كلها لا تستلزم الجبر، ولا تنافي الاكتساب فقال: