بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الخامس: في القضاء والقدر

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

هذا بيان الرد على الفرقة الثانية من القدرية، وهم الجهمية نسبة لهم إلى الجهم بن صفوان(59 )، وهم القائلون بالجبر المتعلقون بالمشيئة فقط، قالوا: إن الله (تعالى) قد جبر العبد على فعل الطاعة والمعصية، وأنه لم يجعل له استطاعة لما شاء أن يفعله من فعل المعاصي والطاعات فهو عندهم كالجماد لا يستطيع تحركاً إلا أن يحرك، وكالخيط المعلق في الهواء تقلبه الرياح كيف شاءت، وإنما كان ذلك منهم مخافة أن يكون خالقاً غير الله، كما كان من المعتزلة مقالهم مخافة أن ينسب إلى الله المعاصي، وفعل المكروه، فكلا الفريقين ضال منافق، وقد تعلق هؤلاء بآيات من القرآن، كما تعلق أولئك منها قوله تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى& وأنه هو أمات وأحيا)(60).

قالوا: فالضحك والبكاء من أفعالنا قد أضافها (تعالى) إلى نفسه، كما أضاف الإماتة والإحياء، فليس لنا فيهما تصرف.

قلنا: أضافهما الله (تعالى) إلى نفسه لكونهما خلقاً له، لا لنا، وإنما لنا من ذلك الاكتساب المناط بالاختيار، فالأفعال خلق منه واكتساب منا، وخلقه للأفعال لا يستلزم الجبرية كما سيأتي بيانه، ومنها قوله (تعالى): (فأنى تؤفكون)(61)، وقوله (تعالى): (فأنى تصرفون)(62 ).

قالوا: فمن يؤفكهم ومن يصرفهم إلا الله، قوله تعالى: (ومن يضلل الله فلا هادي له)( 63)، وقوله: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً)( 64)، والجواب عن هذه الآية كلها هو عين الجواب عن الآية الأولى، ومنها قوله (تعالى): (لو شئنا لآتينا كل نفس هداها)( 65).

قلنا: لا تعلق لكم في هذه الآية، ولا في شيء من نظائرها، لأنها إخبار عن نفوذ قدرته (تعالى) وتأثير إرادته، أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفعل لهم ذلك، لأنهم لا يعجزونه، لكنه اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة، وقد جعل لهم قدرة صالحة لاكتساب أي واحد شاءوا، فلا جبر.

١٦٢ / ٢٣٦