بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الرابع: في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

أي: اختلف العلماء في بيان حقيقة الإصرار الذي تصير به الصغائر كبائر، ويستحق فاعله التضليل والتفسيق، فقال قوم: إن الإصرار على الذنب هو الإقامة عليه وترك الإقلاع عنه، ومثل هذا المذهب ما يروى عن السدي( 18) حيث قال: »إن الإصرار الاستمرار«( 19) وذهب آخرون إلى: أن الإصرار على الذنب هو فعله بقصد الاستخفاف له واستحقاره، وهذا الوجه لا خلاف بينهم إنه إصرار، وإنما الخلاف في الوجه الأول، أما إذا أتى الذنب مستخفاً لنهي الله عنه فهو (والعياذ بالله) شرك، فافهم الفرق بين الاستخفاف للذنب وبين الاستخفاف لنهي الله عنه فإنه مزلة الأقدام، وعن الحسن: »أن إتيان الذنب عمداً إصرار«(20 )، وعليه فهو مذهب ثالث، وتحرير المقام إن فاعل الصغيرة لا يبرأ منه حتى ينزل منزلة لا خلاف بين العلماء إنها إصرار لأن المختلف فيه لا يعد ديناً، والله (تعالى) أعلم.

الهاء(22 ) في قوله: «أتاه» عائدة إلى الذنب الصغير لا إلى الإصرار، كما يعلم مما تقدم أن الإصرار كبير، والمعنى: أن العلماء اختلفوا في الولي إذا أتى الذنب الصغير؛ فذهب بعضهم: إلى أنه باق على ولايته غير محتاج أن يستتاب من ذنبه، وهذا معنى قوله: «فبعضهم في حكمه رآه»( 23) «ولو يتوّبه» والمراد بحكمه: أي الحكم الذي كان عليه قبل ذلك الفعل وهو الولاية، وهذا المذهب هو أصح المذاهب فيه، وذهب قوم إلى الوقوف عنه بالرأي حتى يستتاب فإن تاب قُبل منه ورجع إلى ولايته، وإن أصر برئ منه، وذهب آخرون إلى أنه لا يوقف عن ولايته، ولكن يُحسن به الظن ويستتاب من ذنبه، فإن تاب قُبل منه، وإن أصر برئ منه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.

---------------------------------------

( 1) في: ب (إلى).

( 2) آل عمران/87.

(3 ) النساء/2.

(4 ) النور/16.

(5 ) لم أجد تخريج هذا الحديث حسب بحثي.

(6 ) أنظر: الطبري؛ ابن جرير، جامع البيان: المجلد الرابع؛ 5/41.

١٩٩ / ٢٣٦