بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الرابع: في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها

الجزء ١ · صفحة ١٩٨

المذهب الأول: إن فاعل الكبيرة يستتاب من فعله، فإن تاب قُبل منه، وإن أصر على معصيته وامتنع من التوبة برئ منه، وهذا معنى قول الناظم: «توّبه..الخ» ومعنى، وهذا المذهب هو اختيار الإمام أبي سعيد( 14) (رضي الله عنه) ومقتضى ظاهره: إن فاعل الكبيرة يستتاب قبل البراءة منه كان ولياً قبل فعلها أو غير ولي.

المذهب الثاني: أن فاعل الكبيرة يبرأ منه من حين فعله ذلك ثم يُستتاب، فإن تاب قُبل منه، وإن أصر مستمراً على ذنبه استمر على البراءة منه، وهذا معنى قول الناظم: «وبعضهم ضلله..الخ» أي وبعض العلماء حكم بضلال فاعل الكبيرة، واعتقد البراءة منه قبل أن يستتيبه ثم استتابه من بعد ذلك، ولابد من الاستتابة عند الفريقين على من قدر عليها لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسقط فرضها عمن لا يقدر على فعلها، والخلاف في وجوبها على القادر الآيس من قبول الفاعل لها، كل ذلك تخريج على مذاهبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم.

قد تقدم بعض أحام الصغائر وهو الحكم المشترك بينهما وبين الكبائر وهذا محل بيان الحكم الخاص بها، اعلم أن الحكم الخاص بالصغائر نوعان: دنيوي وأخروي، فأما حكمها الأخروي فهو إنها مغفورة باجتناب الكبائر لقوله (تعالى): (إن تجتنبوا كبائر )ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)(15 ) ولقوله (تعالى): (الذين يجتنبون كبائر الإثم( ( 16) والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة)(17 )، واللمم هي صغائر الذنوب، وأما حكمها الدنيوي فهو أنه يحكم لفاعلها ببقائه على الإسلام فلا يضل ولا يفسق حتى يعلم منه إصراره عليها، وهذا معنى قوله: «حتى يرى مستكبرا» أي حتى يعلم منه استكبار عن طاعة لله، وعدم انقياد لأمر الله، ثم إن الناظم أخذ في بيان حقيقة الإصرار فقال:

١٩٨ / ٢٣٦