بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى

الجزء ١ · صفحة ٦٠

اختلف العلماء في الضعيف الذي لا قدرة له على الاجتهاد ولا استطاعة له على ترجيح الأقوال، وقد أراد أن يعمل بشيء من الأشياء التي قد اختلف العلماء في حكمها.

فذهب بعضهم إلى أن لهذا الضعيف أن يأخذ بأي قول شاء من تلك الأقوال الموجودة في مسألته، ولا يلزمه في كل قضية أن يستعين بالفقيه الحاضر، [واحتج لذلك بأن] ( 8) قوله ليس بأثبت فيه ممن تقدمه فيه فأورده أثراً صحيحاً فيحسن اتباعه لمن بعده، بل قد يمكن أن يكون الأول أكثر علماً وأصح نظراً وبالعكس، فاستوى الأمر أن فيما وجده من أثر صحيح أو نقله له عن الأوائل(9 ) من الاختلاف صحيح أو أخبره الفقيه الحي بوجود الاختلاف فيه وسكت عن التعديل فيما يحكيه وحكم ما عدله بعض علماء السلف، وعدل غير الفقيه الحاضر من الخلف حكم ما اختلف الفقهاء في تعديله، ويرجع الأمر فيه إلى جواز الأمرين من(10 ) هذا كله إذا لم يكن لهذا الضعيف قدرة على معرفة الأعدل، وكانت المسألة مما وجد الاختلاف فيها.

أما إذا شاء العمل بشيء لم يوجد في بيان حكمه شيء عن العلماء فهاهنا يجب عليه مشاورة أهل العلم في ذلك ولا يجوز له أن يعمل بهوى نفسه.

وذهب آخرون إلى أنه يجب على هذا الضعيف إذا شاء العمل بما يختلف فيه أن يشاور من قدر على مشورته من الفقهاء، وأن يستعين في طلب الأعدل من الأقوال؛ والدليل على ذلك قوله (تعالى): (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)( 11) لأن الاستنباط لا يكون إلا من الفقهاء العلماء به، وقد أُمِر الضعفاء برد الأمر فيه إليهم، والأخذ فيه بقولهم فَهُم الحجة فيه لهم وعليهم، ويدل على ذلك أيضاً قوله (تعالى): (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(12 ).

٦٠ / ٢٣٦