الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى
الجزء ١ · صفحة ٦١أقول: وهذا المذهب أقوى دليلاً وأقوم سبيلاً من الذي قبله لهذه الأدلة، ولما في مشورة العالم من إمكان الاطلاع على دليل القول الذي يرشده إليه، ويأمره بالأخذ به، فيكون مع ذلك آخذاً بالدليل الذي سمعه فينزل في وجوب المشاورة للعالم عند وجوده منزلة القادر على الاجتهاد، ولا يخفى أن حكم م كان مجتهداً ولم يطلع على الأدلة في شيء من الأحكام أن حكمه في ذلك حكم الضعيف لأنه في ذلك الحكم ضعيف أيضاً بناء على القول بتجزي الاجتهاد وهو مذهب الإمام الكدمي( 13) (رضي الله عنه).
وفي قول ثان أن الاجتهاد لا يتجزأ فلا يكون مجتهداً حتى يكون عالماً بجميع الأدلة من الكتاب والسنة، والأول هو المختار والله أعلم.
والخطأ نوعان؛ أحدهما: أن يكون صاحبه معتقداً إصابة(14 ) الحق فيما أفتى به ويظن أن صواب وهو مخالف للحق، فهذا غير معذور من الإثم والضمان -كان عالماً أو جاهلاً- إذا حرّم ما أحل الله أو أحل ما حرّم الله، وقد حصل التحرز من هذا النوع يقول الناظم »وخطأ العالم« لأن صاحب هذا النوع وإن كان عالماً في غيره فهو جاهل به.
وثانيهما: أن يكون المفتي عالماً بذلك الشيء الذي أخطأ فيه وبأصوله؛ فأخطأ بلسانه؛ وهو يعلم أن لو انتبه أنه مخطئ فيه، فهذا يُختلف في تضمين صاحبه، والذي عليه الجمهور من الجهابذة أنه لا ضمان عليه، وأما الإثم فلا نعلم أن أحداً قال به في هذا الموضع، والذي وجدناه عن علمائنا( 15) إنه لا إثم عليه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: »رفع عن أمتي الخطأ والنسيان«(16 )… الحديث، وبإشارة قوله (تعالى) حكاية عن المؤمنين: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)(16 )، وما أحسن قول الصائغي( 17):