الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى
الجزء ١ · صفحة ٦٣»الهاء« من قوله »بطلانه« عائدة إلى الخطأ وكذلك في قوله: »إليه«، والهاء من قوله: »عليه« عائدة إلى الذي عمل وانتصب »مجملاً« على الحال من فاعل »أتى« أي: لا يخلو ذلك الخطأ؛ إما أن يكون مما تقوم به الحجة من العقل، أو مما تقوم حجته من السماع، فالأول غير معذور صاحبه مهما خطر بباله إلا باعتقاده الحق فيه، والثاني نوعان: (تأدية مفروض، وترك محجور) فأما تأدية المفروض فإذا لم يجد معبّراً يعبِّر له إياه، ولم يتأت(18 ) له من قبل بصيرته بإلهام ونحوه فهو معذور -كما سيأتي- إذا اعتقد في جملته السؤال عن جميع ما يلزمه من دين الله، وأما ترك المحجور فقد قيل: إنه لا يسع أحداً أن يرتكبه عالماً بحجره كان أو جاهلاً مستحلاً أو محرماً(19 )، ومن ارتكبه فهو هالك ظالم، لأنه قد ورد في الأثر المجتمع عليه: »يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء إذا برؤا من راكبه«(20 )، وهذا قد ارتكب ذلك الأمر المحجور عليه ارتكابه، فلا عذر له بجهل ولا بفتوى مخطئ لأن المفتي إذا أخطأ وجه الصواب فليس بحجة، وقيل: إذا لم يجد المعبِّر في هذا ونحوه وكان قد اعتقد في جملته المتاب عن جميع ما لزمته فيه التوبة والسؤال عن جميع ما لزمه فيه السؤال فهو سالم، وفي هذا قد سئل الإمام الخليلي( 21) (رحمه الله):
السؤال
فأجاب رضوان الله عليه
قال في موضع آخر من فتاويه، »وأما النوع الثاني وهو ركوب المحجور في دين الله (تعالى) من أصول ما لا تقوم به حجج العقول، فقيل: في هذا على الإطلاق بهلاك فاعله من المتعبدين، لأن يفعل ما لا يجوز له في دينه وقد نقض الدين«.
وفي الأثر »المجتمع عليه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه الخ«، »وهذا قد ركبه فضاق عليه، ولم يسعه جهل بحكم ظاهره وإلا فالجهل أشرف بضاعة إن كان به عذر لمن أطاعه فهو أولى بالكرامة لأنه مطية السلامة، ويأبى الله ذلك«( 23).