الباب الرابع: في أقسام الجهل
الجزء ١ · صفحة ٨٠اعلم أن الأمور ثلاثة: أمر بأنّ لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك حكمه فقف عنه، ولا يجوز لك القدوم عليه حتى يتضح لك حقه، فإذا ارتكب الراكب أمراً لم يعلم حقه من باطله فلا يخلو ذلك الأمر من أحد أمرين؛ إما أن يكون باطلاً في أصل دين الله أو حقاً، فإن كان باطلاً فالراكب له هالك -قصده أو لم يقصده- إلا أن يتوب منه، وقد تقدم في باب الاجتهاد والفتوى شيء من هذا النوع فراجعه( 41)، وإن كان حقاً فلا يخلو الراكب من أحد أمرين أيضاً: إما أن يكون في قصه موافقة الحق فلا إثم عليه في هذا، لأنه قصد الحق فوفّق إليه، وقيل: إن عليه التوبة في قدومه على ما لا يعلم، والأول هو الصحيح؛ لأن كثيراً من الصحابة قد فعلوا أشياء لم يعلموا حكم الله فيها فإذا هي حق عند الله فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فعل ذلك، فهذا عمار بن ياسر (رضي الله عنه) تلفظ للمشركين بالشرك تقيّة ولم يعلم جواز التقية يومئذ بدليل ما نقل عنه أنه قال قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هلكت (الحديث) (42 )، وإما أن يكون في قصده مخالفاً لدين الله فهذا هالك بنيته لا تنفعه موافقة الحق بل عليه التوبة من تلك النية، فالأمور أربعة: موافقته للباطل مع قصده له، وموافقته له مع قصده الحق، وموافقته الحق مع قصده، وموافقته له مع قصده الباطل، وبين كلا الأمرين الأولين والآخرين واسطة هو نوعان: أحدهما أن يكون الراكب مهمِلاً أي لم يكن قاصداً لشيء دون شيء فيحكم له وعليه بحكم ما ارتكبه، وثانيها أن يكون غير مبال أصاب حراماً أم حلالاً فيحكم عليه بالهلاك عند موافقة الباطل والتوبة عند موافقة الحق.
خاتمة