بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الرابع: في أقسام الجهل

الجزء ١ · صفحة ٨١

قيام الحجة عبارة عن وجودها، وأصل القيام الانتصاب، و»الحجة« هي ما يقع به للنار حقيقة الشيء المنظور فيه، و»العلماء« جمع عالم، أي: تقوم حجة العلم لما وسع جهله بقول العلماء ولو كان القائل واحداً على مذهب الإمام أبي سعيد رضي الله عنه وهو الأصح، وقيل: لا تقوم بقول الواحد بل بقول العالمين، وقيل: غير ذلك.

والعالم الذي تقوم به الحجة فيما يسع جهله هو: الذي اشتهر في الناس عدله، وانتشر في الآفاق فضله، وهذا هو معنى قول الناظم »له الفضل علا« أي ارتفع، كناية عن اشتهاره، ولا يكون حجة في هذا الموضع إلا على من بلغته شهرة علمه وعرف شخصه أنه هو المشهور بوجه من الوجوه التي تأتي بها المعرفة الصحيحة.

وقيل لا يكون العالم ولا العلماء حجة فيما يسع جهله حتى يبصر المفتى (بفتح التاء) حق قول العالم، وعلى القولين لا يجوز للمفتى رد قول العالم ولا تكذيبه، والكل من هذين القولين قول صادر عن الفضلاء الكرام، وهم أهل الاستقامة في الدين، واحتج القائلون بالأول؛ بأن العلماء يلزم قبول قولهم كما يلزم قبول قول الأنبياء فيما جاءوا به، لأن العلماء ورثة الأنبياء، وينصُره قوله صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى »علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل«(43 ) واحتج القائلون بالثاني؛ بأن من ل يعرف بعض آي الكتاب العظيم وكان قد آمن به مجملاً أنه ليس عليه أكثر من ذلك، ولا يجوز له رد ما سمعه من الآي التي لم يعرفها فكذلك هذا المفتى لا يلزمه قبول قول العلماء فيما يسعه جهله إذا لم يرد قولهم ولم يكذبهم.

قلت: وهذا قياس حسن إلا أن المقاس عليه مختلف فيه على قولين: فذهب قوم إلى ما علمت من أن الإيمان بالقرآن مجملاً لمن لم يعرف بعض آية، وذهب آخرون إلى أن الإيمان به مجملاً لا يجزي لمن سمع من الآية والآيتين بل عليه أن يؤمن بكل ما سمع منه، فالأول من قول الناظم (ورجح الأول) مفعول به والفاعل (أن وصلتها) لأنها في تقدير مصدر.

٨١ / ٢٣٦