الموضوع: الوحدة الاسلامية
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٦والله سبحانه يذّكر هؤلاء العباد النعمة العظيمة التي أسبغها عليهم بأن أخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الشقاق إلى الوفاق ومن الاختلاف إلى الائتلاف ومن التدابر إلى الاجتماع والتعاون فيما بينهم يقول سبحانه (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (آل عمران: من الآية103).
وقد قبض الله تعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم بعدما كانت هذه النعمة نعمة سابغة على هذه الأمة شاملة لجميع أفرادها إذ تآلفت قلوبهم برباط الإيمان الذي يوحد ولا يشتت ويجمع ولا يفرق، ثم بعد ذلك ولي الأمر خلفاؤه الراشدون رضي الله تعالى عنهم وهم الذين ساروا على نهجه واتبعوا هديه إلى أن لقوا الله تبارك وتعالى.
ثم تحول الأمر إلى سياسة غاشمة كانت تتبنى توجهاتها حسب أهواء الأفراد الذين تربعوا على سدة الحكم، فكان الأمر بخلاف ذلك، إذ أخذت العرى تنقض عروة عروة ووقع الخلاف، وكل من كان في ركب تلك السياسة كان مرضياً عنه وكان معدوداً من الصالحين وكان معدوداً من الموافقين، ومن كان بخلاف ذلك كان أمره خلافه.
ونجد البون الشاسع والفرقة البعيدة والشقة المتنائية ما بين الوضع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم والوضع في تلكم السياسة التي قامت من بعد، ففي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم يقول أحد الخلفاء على مسمع ومرأى من الناس (أيها الناس إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني) فيقوم له أحد من عامة الناس ويقول له: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا. فما يكون منه إلا أن يحمد الله على أن جعل في أمة محمد صلى الله عليه وسلّم من يقوم اعوجاجه بسيفه.