الموضوع: عام
الجزء ٣ · صفحة ٢٩١والحياء أيضاً يمنع الإنسان من أن يسيء إلى من أحسن إليه، فيدفع ذلك به إلى الإحسان إلى من أحسن إليه لأنه يرى أن مقابلة الإحسان بالإساءة أمر مناف للخلق المرضي وأمر مناف لما يحب الإنسان أن يظهر منه، فلا يقابل الإحسان إلا بالإحسان.
فالحياء خلق جبل عليه الإنسان في الأصل، وإنما الذين يتجردون من لا الحياء قد انسلخوا من الفطرة التي فطرهم الله تبارك وتعالى عليها.
والحياء هو الذي يصون لسان المرء عن أن يقول بذيء القول، فالإنسان تحسب عليه كلماته، وأجاد الشاعر الذي قال:
إن الإناء بما في بطنه رشحا
يعني أن الإنسان لا يصدر منه من الكلام إلا ما هو واقر في نفسه.
فالكلام البذيء يدل على انحراف الطبع. فالمؤمن يترفع حياءً عن أن يقول الكلمات البذيئة أو أن يذكر العورات بأقبح أسمائها أو أن يذكر المباشرة الجنسية بطريقة مكشوفة إنما يوري ويكني.
فالله تبارك وتعالى في كتابه الكريم كنّى (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفا) (الأعراف: من الآية189) إنما قال (تغشاها)، وكذلك (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (النساء: من الآية43) عبّر بالملامسة.
وكذلك يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنّ) (الأحزاب: من الآية49)، عبّر بالمس ولم يعبر بالعبارة الصريحة المكشوفة ذلك من أجل أن الله سبحانه وتعالى يحب لعباده أن يعبروا بمثل هذه العبارات.
وهو سبحانه وتعالى حيي كريم يكني في خطابه عندما يخاطب عباده بمثل هذه الأمور.
وكذلك كان خلق الرسول صلى الله عليه وسلّم، فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان شديد المبالغة في الحياء، يحرص على أن لا يقول من الكلمات إلا ما لا يستهجن، أما الكلمات المستهجنة فهو يتقيها عليه أفضل الصلاة والسلام.