16سأذ 14 ربيع الثاني 1424هـ - 15 جوان 2003م حكم التبرع بالدم وأهميته-عام صحح
الجزء ١ · صفحة ٤ج: إنَّه لا ريب أن الله-تبارك وتعالى-جَعَل التَّعَاون سنَّة مِن سنن الحياة الإنسانية، إذْ الإنسان قليل بنفسه كثير بأخيه، وقد جعل الله-سبحانه-كل أحد بِحَاجة إلى غيره، وَمَن أجل ذلك كان التَّعَاون في مِثْل هذه القضية تعاوناً مهماً مشروعاً لأن فيه إنقاذاً لِحياة بَشر، ولأن فيه-أيضاً-إنقاذاً لصحة أقوام؛ والحق-سبحانه وتعالى-وإن جَعَل الدَّم نَجَساً تعاطيه مُحرَّماً كما دلَّت على ذلك الآيات القرآنية ودلت عليه الأحاديث النبوية الشريفة، إلا أنَّه جَعَلَ الله-تبارك وتعالى-الضرورة تَختلف أحكامها عن أحكام الاختيار، فنحن نرى أن الله-سبحانه وتعالى-مع تَحريمه الدم والميتة ولَحم الخنزير ومَا أهل به لغير الله نَص في كتابه العزيز على إباحة ذلك للمضطر عندما قال عز من قائل: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة، مِن الآية: 173 ]، والاضطرار قد يُتصوَّر أنَّه خاص بالمخمصة وهي الجوع لأن الله-تبارك وتعالى-قال: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ [ سورة المائدة، من الآية: 3 ]، والواقع خلاف ذلك، فإنَّ الاضطرار لا يُخَصَّص بِكونه في مَخْمَصَة، أو لا يُقَيَّد بكونه في مَخْمَصَة، ذلك لأن ذكر المخمصة هنا إنَّما هو وارد مورد الأغلب المعتاد، ومن المعلوم أن مفهوم المخالفة عندما يكون منطوقه وارداً مورد الأغلب المعتاد لا يُحتَجُّ به عند العلماء كما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ﴾ [ سورة الأنعام، من الآية: 151 ]، وقوله: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ [ سورة الإسراء، من الآية: 31 ]، فإن قوله ﴿ مِنْ إِمْلاقٍ ﴾ وقوله: ﴿ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ لا يُقَيَّد هذا الحكم بِحيث تكون الإباحة ..