10سأذ 9 صفر 1426هـ - 20 مارس 2005م صحح
الجزء ١ · صفحة ١٢فمن ذلك أن يكون العالِم المجتهد عالِماً بأصول الفقه، بِحيث تكون عنده الآلة التي يتمكن مِن خلالِها أن يعرف كيف يزن الأدلة الشرعية بِموازينها ويضع كل شيء منها موضعه، بحيث يَحمل العموم على الخصوص إذا ورد خاص وعام، والإطلاق على التقييد إذا ورد مُطلَق ومُقَيد، والإجمال على البيان إذا ورد مُجمل ومُبَيّن، والمنسوخ على الناسخ إذا ورد ناسخ ومنسوخ وهكذا، بحيث يعرف كيف يستطيع أن يزن بين الاستدلالات الشرعية.
على أنَّ الأدلة الشرعية-أيضاً-تَختلف، وقد يكون دليل أرجح، قد يتعارض دليلان ولكن أحد الدليلين أرجح لبعض الاعتبارات، فنفس الدلالة-دلالة الأحكام الشرعية على مَدلولاتِها-تنقسم إلى أربع دلالات، لأنَّ اللفظ الوارد في كلام الشارع سواء كان قرآناً أو سُنَّة يدل على المدلول عليه إما بعبارته وإما بإشارته وإما بدلالته وإما باقتضائه، وهذه لابد مِن الموازنة بينها، فإذا كانت هنالك دلالة بعبارة وهنالك دلالة في دليل آخر بإشارة، فالدَّالُّ الذي دَلَّ بالعبارة يُقدّم على ما دَلَّ بالإشارة، وكذلك ما دَلَّ بدلالته، يُقّدم ما دَلَّ بعبارته على ما دَلَّ بدلالاته.
فإذن مهما يكن لابد مِن أن يستجمع هذه الآلة التي تُمكنه مِن النظر في الأدلة الشرعية.
ومع هذا-أيضاً-عليه أن يكون مُتصوراً للفقه الإسلامي بِحيث تكون عنده حَصيلة فقهية، إذ استجماع القواعد-قواعد الأصول-مِن غير أن يكون عنده فقه يُمكنه أن يطبق تلك القواعد عليها يَجعله عائشاً في عالَم التَّنْظِير لا في عالَم التطبيق، فلابد مِن أن يكون مُطبقاً قادراً على تطبيق هذه القواعد على الفروع.
ثم مع هذا لابد مِن أن يكون عنده حَصيلة مِن علوم القرآن؛ وحَصيلة مِن علم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام سواءً مِن حيث الأسانيد أو حيث المتون وشرح هذه المتون؛ وأن تكون عنده خبرة بالمسائل المجمع عليها لئلا يَجتهد فيما أُجمع عليه.