11سأذ 23 صفر 1426هـ - 3 أفريل 2005م صحح
الجزء ١ · صفحة ٦فهذا الكذب على أي حال هو مِن المحارم التي يَجب اجتنابُها .. يَجب اجتناب ذلك لكل الاعتبارات، يَجب اجتناب ذلك لأنَّه كذب والكذب قبيح، ويَجب اجتناب ذلك بسبب أنَّ فيه تقليداً للآخرين وليس مِن شأن المؤمن أن يكون مُتزعزعاً يسارع في تقليد الآخرين، وهو-أيضاً-يَجب اجتنابه مِن حيث ما فيه مِن إِقْلاق الناس وإِرْعَابِهم، فلهذا كله يَجب اجتنابه، ولا يَجوز أبداً بأي حال مِن الأحوال، ونَحن نَعجب مِن أولئك الذي يَعُدُّون الكذب مَهَارة ويعدّون التفنن فيه دليلاً على الذَّوق ودِقَّة الإدراك، هؤلاء لا يدرون بأنَّهم يُلصقون بأنفسهم صفة ذَميمة جداً، قد كان العرب حتى في جاهليتهم يتورعون عن أن يُسَجَّل عليهم أي كذب، فالعرب في إِبَّانِ جاهليتهم ما كان أحدهم يرضى بأن يسجل عليه كذب لأنَّه يراه عاراً، ويَخشى أن يتحدث به الناس في الملأ بأنَّ فلاناً كذب، ولذلك عندما جاء أبو سفيان إلى بلاد الشام، وطلب هِرَقْل الناس مِن قوم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما وصله كتاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يدعوه فيه إلى الإسلام، وكان في ذلك الوقت أبو سفيان سافر ومعه عشرون راكباً مِن مكة إلى غزة، وجيء بِهم بعدما طلبهم هرقل إليه ودخلوا عنده، قال هرقل لِهؤلاء القوم : " أَيُّكُم أَقْرَبُ نَسباً إلى هذا الرجل الذي يظهر فيكم يَزعم أنَّه نَبِي ؟ " قال له أبو سفيان : " أنا " فقال لأصحاب أبي سفيان : " كونوا ورائه وسوف أساله عن أشياء فإنْ كَذَبَنِي فكذّبوه " فكان يسأله عن كثير مِن صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُجِيبه بصدق وبأمانة، وأخبر عن نفسه بأنَّه ما كان يَخشى أن يكذّبه أصحابه، كان مُطمئناً إليهم أنَّه لو كذب لا يكذبوه، ولكنَّه بسبب شرفه خشي على مكانته عند قومه أن يُحدّثوا عنه أنَّه كذب في هذا الموقف، وقد انتشر هذا الطبع الذي كان في العرب حتى عند مَن ساكنهم مِن اليهود، فنجد اليهود الذين ساكنوا العرب كيف ما