المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

أي مضافة ومفردة في الاستفهام

الجزء ١ · صفحة ١١٩

و لو قلت: أي من إن يأت زيداً قائماً يوم الجمعة أخوك لم يجز؛ لأنك لم تأت للجزاء بجواب. ولكن لو قلت: أي من إن يأته من إن يأتنا نعطه يأت صاحبك كان الكلام جيداً، وكانت أي مرفوعةً بالابتداء. وتأويل هذا: أي الذين إن يأتهم من يأتنا نعطه يأت صاحبك. فقولك: يأت جواب الجزاء الأول، وصاحبك؛ خبر الابتداء. وتقدير هذا بلا صلة: أي الذين إن يأتهم زيد يأت صاحبك؛ لأن من الثانية وصلتها في موضع زيد.

و لو قلت: أي من إن يأته من إن يأتك تأته تكرمه نأتي كان إعراب أي النصب، وكان التقدير: أيهم نأتي.

و اعلم أن أيا مضافةً ومفردةً في الاستغناء والاحتياج إلى الصلة سواء؛ لأن المعنى واحد؛ كما أن زيداً وزيد مناةٍ سواء في الاحتياج والاستغناء؛ لأن المعنى التسمية والإبانة عن الشخوص.

و لو قلت: أي الثلاثة صاحباك كان جيداً؛ لأن المعنى: أزيد وعمرو؟ أم عمر وخالد. أم زيد وخالد؟.

و لو قلت: أي الثلاثة ضرباها كان فاسداً، لأنك إذا قلت: ضرباً لم يصلح أن يوصل فعلهما إلا إلى واحد، وإلا زدت في العدد.

و لو قلت: أي الثلاثة ضربا عمراً؟ وعمرو غير الثلاثة لم يكن في إجازته شكٍّ. فإن كان عمرو أحد الثلاثة لم يجز. وذاك إن كنت تعرف عمراً؛ لأنه قد خرج من المسألة. فإنما ينبغي أن تقول: أي الرجلين؟ فإن كنت لا تعرف عمراً، إلا أنك تعلم أنه من الثلاثة فالقصة فيه كالقصة فيما قبله؛ لأنك إنما تسأل عن أحد اثنين، وتحتاج إلى أن تعرف عمراً.

و لو قلت: أي الثلاثة أحدهما عمرو؟ كان عند بعض النحويين جائزاً، وليس يجوز عندي لما أشرحه لك؛ وذلك أنك إذا قلت: أي الرجال أحدهما عمرو، والرجال زيدٌ وعمرو وخالد فكأنك قلت: أهذا وهذا؟ تعني زيداً وخالداً، أم هذا وهذا؟ تعني عمراً وخالداً. فليس في هذا بيان لتخليص خالدٍ إذا كان مع عمرو من زيدٍ؛ لأن قصتهما فيه واحدة، ولا فيه دليل على عمرو بعينه. وليس معنى أي إلا التبيين، ولا تبيين في هذا.

و من أجازه قال: قد وقع فيه ضربٌ من التبيين؛ لأنا نعلم أن الثالث المخلف ليس بعمرو. فيقال له: أي إنما خبرها هو المطلوب تفسيره، والذي بينت أنه ليس بعمرو ليس منهما.

و تقول: أي إخوانك زيدٌ عمرو خالدٌ يكلمه فيه عنده؟ كما تقول: أخوك زيد عمرو خالد يكلمه فيه عنده، لأنه ابتداءٌ بعد ابتداءٍ.

و لو قلت: أي الذين في الدار هندٌ ضاربتهم؟ جاز أن تكون اقتطعت بأي جماعة من جماعة والوجه ضاربته. وليس الحمل على المعنى ببعيد، بل هو وجهٌ جيد. قال الله عز وجل: " و كلٌّ أتوه داخرين " وقال: " و كلهم آتيه يوم القيامة فرداً " فهذا على اللفظ، والأول على المعنى.

و لو قلت: أي من في الدار يكرمك؟ كان جيداً؛ لأن المعنى: أي القوم يكرمك؟ و لو قلت: أي من في الدار يكرمك تكرمه، فإن شئت جعلت يكرمك الأولى من الصلة، فكان المعنى: أي من يكرمك في الدار، فيكون الإكرام وقع لك في الدار. وإن شئت كان في الصلة، وإن شئت أخرجته من الصلة، وجعلته خبراً، وجعلت تكرمه حالاً. هذا في الرفع وإن شئت جزمتهما، وإن شئت جعلت أي جزاء، وإن شئت رفعت الأول، وجزمت الثاني، وجعلت أياً استفهاماً. فأما من في هذا الموضع فهي بمنزلة الذي، وفي الدار صلتها. فكأنك قلت: أي القوم تكرمه يكرمك إذا كان جزاءً، وتكرمه يكرمك إذا كانت استفهاماً.

و تقول: أياً تضرب؟ وتقول: أيٌّ تضربه؟، كما تقول: زيدٌ تضربه.

فإن قال قائل: فما بال النصب لا يختار هاهنا كقولك: أزيداً تضربه؟ لأنه استفهام.

فإن الجواب في ذلك: أن أياً هي الاسم، وهي حرف الاستفهام، فلا يكون قبلها ضمير. وذلك قولك: أزيداً ضربته، إنما أوقعت الضمير بعد ألف الاستفهام، فنصبت زيداً.

و لكن لو اجتمع بعدها اسم وفعل كان المختار فيها تقديم الفعل. فإن قدمت الاسم كان على فعل مضمر. وذلك قولك: أيهم أخاه تضربه. ولو قلت: أيهم يضرب أخاه كان على قولك: زيداً تضربه.

و لو قلت: أيهم زيداً ضاربه إذا كان زيد مفعولاً كان النصب في زيد الوجه إذا لم يكن ضارب في معنى الماضي.

فإن رفعت على قول من قال: أزيدٌ أنت ضاربه قلت: أيهم زيد ضاربه هو. وإن شئت جعلته ضاربه خبراً لزيد فكان هو إظهار الفاعل، لأن الفعل جرى على غير صاحبه. وإن شئت جعلت هو مقدماً ومؤخراً على قولك: هو ضاربه أو ضاربه هو كان حسناً جميلاً.

١١٩ / ٢٨٤