المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

المسائل في التصريف مما اعتل منه موضع العين

الجزء ١ · صفحة ٣٨

فإذا قال: فلم لم يكن في سوير مثل هذا ؟ فالجواب في ذلك أن واو سوير مدة، وما كان من هذه الحروف مد فالإدغام فيه محال، لأنه يخرج من المد ؛ كما أن إدغام الألف محال. والدليل على أن هذه الواو مدة أنها منقلبة من ألف، ألا ترى أنها كانت ساير، فلما بنيت الفعل بناء ما لم يسم فاعله قلت: سوير فالواو غير لازمة.

ولو قلت مثل هذا من القول لقلت: قوول، فلم تدغم. والعلة في هذا، العلة فيما قبله ؛ لأنها بدل من ألف قاول.

ونذكر قلب الواو في الإدغام إلى الياء وإن كانت الياء قبلها، ثم نعود إلى المسائل إن شاء الله .

قد قلنا: إذا التقيت الياء والواو وإحداهما ساكنة، وجب الإدغام، وقلبت الواو إلى الياء فيقال: فهلا قلبت الياء إلى واو إذا كانت الواو بعدها ؛ كما أنك إذا التقى حرفان من غير المعتل فإنما تدغم الأول في الثاني، وتقلب الأول إلى لفظ الثاني ؛ نحو قولك في وتد: ود، وفي يفتعل من الظلم: يطلم، فتدغم الظاء إلى الطاء. وكذلك ذهب طلحة تريد: ذهبت طلحة، تقلب التاء طاءً .

ومثل ذلك أخت، تريد: أخذت، فتدغم الذال في التاء. وأنفت تريد: أنفذت ؟ قيل: الجواب في هذا: أنه إذا التقى الحرفان ولم يكن في الآخر منهما علة مانعة تمنع من إدغام الأول فيه أدغم فيه .

وإن كان الأول أشد تمكناً من الذي بعده، وتقاربا تقارب ما يجب إدغامه، لم يصلح إلا قلب الثاني إلى الأول .

فمن ذلك حروف الصفير وهي السين، والصاد، والزاي. فإنها لا تدغم فيما جاورها من الطاء، والتاء، والدال .

ومجاورتهن إياها أنهن من طرف اللسان، وأصول الثنايا العلى، وحروف الصفير من طرف اللسان، وأطراف الثنايا، ولهن انسلال عند التقاء الثنايا، لما فيهن من الصفير، وتجاورهن الظاء، والذال، والثاء من طرف اللسان، وأطراف الثنايا. إلا أن هذه الحروف يلصق اللسان لها بأطراف الثنايا، وهي حروف النفث وإذا تفقدت ذلك وجدته .

ومعنى النفث: النفخ الخفي .

فالصاد وأختاها لتمكنهن لا يدغمن في شيءٍ من هؤلاء الستة، وتدغم الستة فيهن. ونذكر هذا في موضعه إن شاء الله .

فإذا التقى حرفان أحدهما من هذه الستة، والآخر من حروف الصفير فأردت الإدغام أدغمته على لفظ الحرف من حروف الصفير .

تقول من مُفْتَعِل من صيرت - إذا أردت الإدغام - : مصير، وفي مستمع: مسمع، وفي مزدان، ومزدجر ؛ مزان، ومزجر .

فكذلك الياء، والواو. ويجب إدغامها على لفظ الياء، لأن الياء من موضع أكثر الحروف وأمكنها والواو مخرجها من الشفة، ولا يشركها في مخرجها إلا الباء، والميم فأما الميم فتخالفها ؛ لمخالطتها الخياشيم بما فيها من الغنة ؛ ولذلك تسمعها كالنون .

والباء لازمةٌ لموضعها، مخالفة للواو ؛ لأن الواو تهوي من الشفة للفم ؛ لما فيها من اللين حتى تتصل بأختيها: الألف، والياء .

ولغلبة الياء عليها مواضع نذكرها في باب الإدغام ؛ لأنه يوضح لك ما قلنا مبيناً .

وليست الواو كالفاء ؛ لأن الفاء لا تخلص للشفة، إنما مخرجها من الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العليا .

فلذلك وجب ما وصفنا من الإدغام .

ولا يجب الإدغام إذا كانت إحداهما حرف مد .

وآية ذلك أن تكون منقلبة من غيرها ؛ كما وصفت لك في واو سوير ؛ لأنها منقلبة من ألف ساير .

وأما واو مغزو ومرمي، فليست واحدة منهما منقلبة من شيءٍ، إنما هي واو مَفْعُول غير منفصلة من الحروف. ولو كانت منفصلةً لم تدغم وقبلها ضمة ؛ إلا ترى أنك تقول: ظلموا واقداً فلا تدغم ؛ كما لا تدغم إذا قلت: ظلماً. وكذلك أغزي ياسراً لا يلزمك الإدغام، لكسرة ما قبل الياء، وضمة ما قبل الواو .

ولو كات قبل كل واحدة منهما فتحة لم يجز إلا الإدغام في المثلين، ولم يمكنك إلا ذلك .

تقول: رموا واقداً، وأخشى ياسراً .

فإن قلت: فما بالك من أخشى واقداً، ورموا ياسراً لا تدغم، والأول منهما ساكن وقد تقدم الشرط في الواو والياء ؟ فإنما قلنا في المتصلين .

فأما المنفصلان فليس ذلك حكمهما، لأنك في المنفصلين - إذا تقاربت الحروف - مخير.

وأما في هذا الموضع فلا يجوز الإدغام ؛ لأن الواو علامة الجمع والياء علامة التأنيث، فلو أدغمت واحدة منهما على خلاف لذهب المعنى، وهذا يحكم لك في باب الإدغام إن شاء الله. ورجع بنا القول إلى ما يتبع باب سوير.

٣٨ / ٢٨٤