المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

وما يمتنع

الجزء ١ · صفحة ٤٧

ثم نذكر حروف الفم. وهي حيز على حدة.

تدغم القاف في الكاف. والقاف أدنى حروف الفم إلى الحلق، والكاف تليها. وذلك قولك: الحكّلدة، تريد: الحق كلدة، فتدغم لقرب المخرجين. والإدغام أحسن، لأن الكاف أدنى إلى سائر حروف الفم من القاف، وهي مهموسة، والبيان حسن.

وتدغم الكاف فيها. والبيان أحسن، لأن القاف أدنى إلى حروف الحلق. وهو قولك انْهَقّطنا، تريد: انهك قطنا. والإدغام حسن.

ثم نذكر الشين، وأختيها: الجيم والياء.

اعلم أن الياء لا تدغم في الجيم ولا في الشين، لأنها حرف لين، وحروف اللين تمتنع من الإدغام لعلل. منها.

أن الألف التي هي أمكن حروف اللين لا تدغم في شيءٍ، ولا يدغم فيها شيء: لأنها لا تكون إلا ساكنة، وفي الياء والواو الشبه بها، فيجب أن تمتنعا كامتناعها.

وبعد هذا، فإن حروف المد واللين لا يلائمها في القوافي غيرها، ألا ترى أنك تقول: عمرو، وبكر وما أشبه ذلك في القوافي، فتعادل الحروف بعضها بعضا.

ولو وقعت واو أو ياء بحذاء حرف من هذه الحروف نحو: جَوْر أو خَيْر، مع بكر ونصر لم يجز.

وكذلك تكون القافية على سعيد، وقعود، ولو وقع مكان الياء والواو غيرهما لم يصلح.

فهذه علل لازمة.

ومنها أن في الياء والواو مدًّاوليناً، فلو أدغمت الياء في الشين أو الجيم، أو أدغمت الواو في الباء والميم، لذهب ما كان فيهما من المد واللين.

وهي حروف بائنة من جميع الحروف، لأنها لا يمد صوت إلا بها، والإعراب منها، وتحذف لا لتقاء الساكنين في المواضع التي تحرك فيها غيرها، نحو قولك: هذا الغلام، وأنت تغزو القوم، وترمى الغلام. ولو كان غيرها من السواكن لحرّك لالتقاء الساكنين، نحو اضرب الغلام، وقل الحق.

ولا تدغم الشين ولا الجيم فيها، لئلا يدخل في حروف المد ما ليس يمد، فالياء بائنة منهما للمد واللين الذي فيها، فهي منهما بمنزلة حرف بعيد المخرج من مخرجهما، وإن كانت من ذلك الموضع، كما أنها والواو بمنزلة ما تدانت مخارجه وإن كانت بعيدة المخرج منها. وذلك لما يجمعهما من المد، واللين، والكثرة في الكلام، لأنه ليس كلمة تخلو منهما، ومن الألف، أو من بعضهن، وبعضهنّ حركاتهنّ.

فحروف المد حيّزٌ على حدة، الا ترى أنك تذكرهنّ في مواضع الحركات فيدللن من الإعراب - على ما تدل عليه الحركات، نحو: مسلمين، ومسلمون، ورجلين، ورجلان.

وكذلك، أخوك، وأخاك، وأخيك.

ويبدل بعضهنّ من بعض، وليس هكذا شيءٌ من الحروف.

تقول: ميزان، وميعاد فتقلب الواو ياء، وتقول: موسر، وموقن، فتقلب الياء واوا.

ورمى وغزا، إنما هي واو غزوت وياء رميت وكذلك ما أشبه هذا.

والجيم تدغم في الشين لقرب المخرجين وذلك قولك: أخرِشّبثا، تريد: اخرج شبثا. والإدغام حسن، والبيان حسن.

ولا تدغم الشين في الجيم البتة، لأن الشين من حروف التفشي، فلها استطالة من مخرجها، حتى تتصل بمخرج الطاء، والإدغام لا يبخس الحروف ولا ينقصها.

افرش جبلة، تظهر وتخفى ولا تدغم، والإخفاء في وزن المتحرك، ألا أنه خفض صوت.

وإنما يحكمها المشافهة، نحو قولك: أراك متعقّفا، إنما هو كالاختلاس: فهذه حالة الشين مع الجيم. ولها أخوات نصل ذكرها بها، يدغم فيهنّ ما جاورهنّ، ولا يدغمن في شيء من تلك الحروف، منها الضاد، والميم، والفاء، والراء.

تدغم الطاء وأختاها في الضاد، ولا تدغم الضاد في شيءٍ منها، لانحرافها.

والباء والنون تدغمان في الميم، ولا تدغم الميم في واحدة منهما.

وتدغم الباء في الفاء، ولا تدغم الفاء فيها.

وتدغم اللام، والنون في الراء، ولا تدغم الراء في واحدة منهما، لأن فيها تكرارا.

فيذهب ذلك التكرير.

ألا ترى أنك تقول في الوقف: هذا عمرو، فينبو اللسان نبوةً ثم يعود إلى موضعه وإذا تفطنت لذلك وجدته بينا، وإذا صرنا إلى موضع هذه الحروف ذكرنا العلة في ذلك إن شاء الله.

ثم نذكر الحرف المنحرف، وهو أكثر في الكلام من غيره، وله اتصال بأكثر الحروف وهو اللام.

ومخرجه من حرف اللسان متصلا بما يحاذيه منت الضحاك والثنايا والرباعيات.

وهو يدغم إذا كان للمعرفة في ثلاثة عشر حرفا، لايجوز في اللام معهن إلا الإدغام. فمنها أحد عشر حرفا تجاور اللام، وحرفان يتصلان بها.

٤٧ / ٢٨٤