المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

وما يمتنع

الجزء ١ · صفحة ٤٨

وإنما كان ذلك لازما في لام المعرفة ؛ لعلّتين: إحداهما كثرة لام المعرفة، وأنه لا يعرى منكور منها إذا أردت تعريفه، والأخرى: أن هذه اللام لازم لها السكون، فليست بمنزلة ما يتحرك في بعض المواضع.

فإن كانت اللام غير لام المعرفة جاز إدغامها في جميع ذلك، وكان في بعض أحسن منه في بعض. ونحن ذاكروها مستقصاة إن شاء الله.

فهذ الحروف منها أحد عشر حرفا مجاورة لللام وهي: الراء، والنون، والطاء، وأختاها: الدال، والتاء، والظاء، وأختاها: الذال، والثاء، والزاي، وأختاها: الصاد، والسين.

والحرفان اللذان يبعدان من مخرجها ويتصلان بها في التفشّي الذي فيهما: الشين، والضاد.

فأما الشين فتخرج من وسط اللسان من مخرج الميم، والياء، ثم تتفشى حتى تتصل بمخرج الللام.

فلام المعرفة مدغمة في هذه الحروف لا يجوز إلا ذلك، لكثرتها ولزومها، نحو: التمر، والرسول، والطرفاء، والنمر. فكل هذه الحروف في هذا سواء.

فإن كان الام لغير المعرفة جاز الإدغام والإظهار، والإدغام في بعض أحسن منه في بعض.

إذا قلت: هل رأيت زيدا وجعل راشدا، جاز أن تسكّن فتقول: جعرّاشد، كما تسكن في المثلين. والإدغام ههنا أحسن إذا كان الأول ساكنا.

فإن كان منتحركا اعتدل البيان والادغام.

فإن قلت: هل طرقك ؟، أو هل دفعك ؟ أو هل تم لك ؟ فالإدغام حسن، والبان حسن.

وهو عندى أحسن، لتنراخي المخرجين.

وقرأ أبو عمرو " بتؤثرون " فأدغم وقرأ " هثّوّب الكفّار " .

والإدغام في الضاد، والشين أبعد، لما ذكرت لك من تراخي مخارجهما، وهو جائز.

وهو في النون قبيح، نحو: هنّرى، هنّحن، إذا أردت: هل نرى، وهل نحن. وذلك لأن النمون تدغم: في خمسة أحرف ليس منهن شيء يدغم فيها، واللام أحد تلك الحروف.

فاستوحشوا من إدغامها فيها، إذ كانت النون لا يدغم فيها غيرها. وهو جائز على قبحه وإنما جاز، لقرب المخرجين.

فإن كانت الحروف غير هذه فتباعدت من مخرجها لم يجز الإدغام، نحو قولك: الكرم. القوم. العين. الهادى.

وكذلك حروف الشفة، وما اتصل بها، نحو: الفرج، والمثل، والبأس، والوعد، فهذا سبيل اللام.

وأما النون فإن لها مخرجين كما وصفت لك: مخرج الساكنة من الخياشيم محضا. لا يشركها في ذلك الموضع شيء بكماله.

ولكن النون المتحركة ومخرجها مما يلي مخرج الراء واللام.

والميم مخرجها من الشفة تتناولان الخياشيم بما فيها من الغنة.

وللنونات أحكام نذكرها، ثم نعود إلى سائر الحروف.

اعلم أن النون إذا وليها حرف من حروف الفم فإن مخرجها معه من الخياشيم لا يصلح غير ذلك.

وذلك لأنهم كرهوا أن يجاوروا بها مالا يمكن أن يدغم معه إذا وجدوا عن ذلك مندوحة. وكان العلم بها أنها نون كالعلم بها وهي من الفم. وذلك قولك: من قال، ومن جاء ؟ ولا تقول: من قال، ومن جاء ؟ فتبين، وكذلك من سليمان ؟ " ويلٌ يومئذٍ للمكذبين " ولا تقول: من سليمان ؟ ولا " ويلٌ يومئذٍ للمكذبين " فتبين.

فإن كان معها حرف من حروف الحلق أمن عليها القلب، فكان مخرجها من الفم لا من الخياشيم لتباعد ما بينهما، وذلك قولك: من هو ؟ فتظهر مع الهاء وكذلك من حاتم ؟، ولا تقول: من حاتم ؟ فتخفى، وكذلك من عليّ ؟ وأجود القراءتين " ألا يعلم من خلق " فتبين.

وإنما قلت: أجود القراءتين، لأن قوما يجيزون إخفاءها مع الخاء والغين خاصة ؛ لأنهما أقرب حروف الحلق إلى الفم فيقولون: منخل، ومنغل. وهذا عندي لا يجوز.

ولا يكون أبدا مع حروف الحلق إلا الأظهار.

فأما حجة سيبويه في أنها تخرج مع حروف الفم إلى الخياشيم فإنما ذلك عنده لأنها إن أدغمت مع ما تخفى معه لم يستنكر ذلك، ولا يصلح الإدغام لتباعد المخارج. فلما وجدوا عن ذلك مندوحة صاروا إليها.

وأنأ أرى تقويةٍ لهذا القول أن امتناعهم من تبيينها مع حروف تتفرق في الفم، ويتباعد بعضها من بعض فكرهوا أن يبينوها في حيز ما يدغم في نظيره.

ألا ترى أنها تدغم في الميم في قولك: ممثلك ؟.

وتقلب مع الباء ميما إذا كانت ساكنة، وذلك عمبرٌ، وشمباء، وممبر، فهي في كل هذا ميم في اللفظ.

وتدغم في اللام والراء، نحو: من رأيت ؟ ومن لك ؟ فهذا مخرج آخر.

وتدغم في الواو، نحو من ولّى إذا قلت: مولى. فهذا مخرج الميم والباء.

وتدغم في الياء، نحو: من يريد ؟ ومن يقوم ؟

٤٨ / ٢٨٤