وما يمتنع
الجزء ١ · صفحة ٥٠ألا ترى أنهما إذا التقتا والأولى ساكنة لزم الإدغام: نحو: سيد، وأيام، ولويت يده ليا، وشويته شيا. وهذا يبين بعد فراغنا من أمر النون إن شاء الله.
النون تدغم في خمس أحرف: الراء، واللام، والياء والواو، والميم. وتقلب مع الباء كما وصفت لك.
وزعم سيبويه أنها مع ما تدغم فيه مخرجها من الفم، لا من الخياشيم، لأنها لو كانت تدغم في حروف الفم وهي من الخياشيم مع تباعد ما بينهما لجاز أن يدغم الأبعد في الأبعد.
وهذا نقض الباب، والخروج من المعقول.
والقول عندي كما قال في جميع هذه الحروف إلا حروف الشفة، فإن النون لو كانت من مخرج الراء واللام، لبعدت من الميم، ولكن مخرجها مع الميم من الخياشيم، لان الميم تخرج من الشفة، وتصير إلى الخياشيم للغنة التي فيها، فدغم فيها الميم لتلك المجاورة. فهذه قصة النون .
واعلم أن الياء و الواو بمنزلة ما تدانت مخارجه. وذلك لانها مشتركتان في المد و اللين، وأنهما يخرجان جميعا منهما إذا تحركتا، وكان قبل كل واحد منهما فتحة.
والواو تخرج من الشفة، ثم تهوى في الفم حتى تنقطع عند مخرج الألف.
والياء تخرج من وسط اللسان من مخرج الشين والجيم حتى تنقطع عند مخرج الالف، فهما متجاورتان .
فإذا التقتا في كلمة و الأولى منهما ساكنة أدغمت إحداهما في الأخرى.
فما كانت الأولى واوا، والثانية ياءً هو نحو قولك: لويت يده لية، وشويته شياً. وأصله لوية، وشويا.
وإن كانت الثانية واوا قلبتها ياءً ثم أدغمت الياء فيها، لأن الواو تقلب إلى الياء، ولا تقلب الياء إليها، لأن الواو من الشفة، وليست من مجمع الحروف. وإنما الإدغام نقل الأثقل إلى الأخف، والياء من موضع الحروف. وذلك قولك: أيام في جمع يوم، وإنما الأصل أيوام ، ومثله سيد، وميت، وأصلهما سيود، وميوت.
وكذلك قيام، وقيوم، وإنما هو فَيْعَال، وفَيْعُول.
واعلم أن مثل سيد، وميت يجوز فيه التخفيف فتقول: سيد، وميت، لانه اجتمع تثقيل الياء والكسرة، فحذفوا لذلك، وقالوا: ميت، وهين، ولين. وقد فسرنا حال فَيْعَلُول من هذا فيما تقدم، نحو: كينونة، وقيدود. وذكرنا ما يكون بدلا من الألف أو غيرها، فلا يجوز إدغامه، نحو: سوير، وقوول.
وزعم الخليل أن يوم كأنه من يمت، وكذا يجب أن يكون لو كان فِعْلا، لان ذوات الواو إذا كانت فَعَلْت فهي منقولة إلى فَعُلْت، مثل القول والحول، ولكن اجتمع فيها حرفا علة، وكان يجب أن يقعا في يفْعَل ضمة مع ياء وواو، وتكون الضمة في الياء. وهذا كله مطرح من الكلام. فلذلك لم يكن منها فِعْل، كما لم يكن في ويل، وويح، وويس، وويب ومعناها المصادر، لما يجتمع فيها من العلة.
ولا يكون فِعْل في مثل آءة، لأنها حروف كلها معتلة، لأن الألف من حروف العلة. وكذلك الهمزتان ومثل ذلك أول، لأن الفاء والعين واوان، ومعناه أفْعَل، ألا ترى أنك تقول: هو أول منه، والأول، والأولى .
قهذه أشياء لها مواقع من الفعل. وكان يجب في أَفْعَل أن يكون أصله الفِعْل كقولك: هو أفضل من زيد، إنما معناه يحسن فوق حسن زيد. فكذلك كان يجب في أول، لولا ما ذكرت لك .
وقال الخليل: لو قلت أَفْعَلْت من اليوم على قول من قال: أجودت، وأطييت لقلت: أيمت، وهذا لا اختلاف فيه، لأنه كان أيومت، فلزمك الإدغام، لسكون الياء كما قلت: أيام. وقد مضى تفسيرها .
وكان يقول - وهو الذي يخالفه فيه كثير من النحويين - : لو قلت: أَفْعِلَ من اليوم لقلت: أووم، فقبلت الياء واوا، لانضمام ما قبلها، كما تقول: أوقن من أيقنت، ولا تدغم، لأن الأولى حرف لين، لأنها منقلبة كا نقلاب واو سوير، وإن كانت أصلية. ألا ترى إلى قولك: أوقن، وبوطر من البيطرة، لأنا لما قلبنا ذلك جرى مجرى الزائد .
وكان يرى الملحق والأصلي إذا كان منقلبا كجروف اللين، لا يفصل بين بعض ذلك وبعض .
والنحويون أجمعون على خلافه يقولون في أُفْعِلَ من اليوم: أيم، لأن العين تلزم الفاء كلزوم العينين إحداهما في الأخرى في قول، وبيع، ويصرفون هذا على هذا .
فأما ظلموا واقدا، فلا يلزم الخليل ؛ لأن الواو قبلها ضمة، وهي بمنزلة الألف في ظلما ؛ لأنها تحل من الجمع محل الألف من التثنية فيضارع سوير من ساير.