وما يمتنع
الجزء ١ · صفحة ٤٩فلما كانت تدغم في حروف بأعيانها من جميع المخارج استنكر إظهارها مع ما جاور هذه الحروف وسنذكر بعقب هذا من أين جاز إدغامها في هذ الحروف على تباعد بعضها من بعض إن شاء الله ؟ أما إدغامها في اللام والراء، فلأن مخرجها بينهما. تقول: أشهد أن محمدا رسول الله، وأحسرّأيك تريد: أحسن رأيك، ومحمد لك.
وإدغامها فيهما على وجهين بغنة، وبغير غنة. وإظهار الغنة أحسن ؛ لئلا تبطل. وإن شئت أذهبت الغنة، كما تخلص ما تدغمه في لفظ الحجرف الذي يدغم فيه.
وأما إدغامها في الميم وإن خرجت من الشفة فهي تجاورها، لما في الميم من الغنة، وتشاركها في الخياشيم، والنون تسمع كالميم، وكذلك الميم كالنون ، وتقعان في القوافي المكفأة، فتكون إحدى القافيتين نونا، والأخرى ميما، فلا يكون عيبا، كما قال:
بني إنّ البرّ شيء هيّنٌ … المنطق اللين والطعيم
وقال آخر:
ما تنقم الحرب العوان مني … بازل عملين حديث سنّ
لمثل هذا ولدتني أمي
وقال الآخر:
يطعنها بخنجرٍ من لحم … بين الذّنابى في مكانٍ سخن
ولا يصلح مثل هذا إلا في حروف متقاربة المخارج: لأن القوافي نسق واحد، فالمتقارب يلحق ما كان من لفظه و وذلك قوله.
إذا ركبت فاجعلاني وسطا … إني كبيرٌ لا أطيق العندا
ولا تدغم الميم فيها، لأن الميم تنفرد بالشفة، وإنما تشرب غنة من الخياشيم، فالميم داخلة عليها، وهي بائنة من الميم.
والراء لا تدغم فيها ولا شيء مما تدغم فيه يدغم فيها إلا اللام وذلك قبيح وقد ذكرته لك وأما قلبها ميما مع الباء، فلأن الكلام لا يقع في شيءٍ منه ميم ساكنة قبل الباء، فأمنوا الالبتاس وقلبوها ميما، لشبهها الميم في الغنة ؛ ليكون العمل من وجه واحد في تقريب الحرف إلى الباء.
وأما إدغامها في الواو فلعلل غير واحدة: منها مضارعة النون للياء والواو، لأنها تزاد في موضع زيادتهما، فتزاد ثانية، وثالثةً ورابعة.
فأما زيادتها ثانيةً فنحو: عنسل، وعنبس، لأنه من العسول، والعبوس، وجندب، وعنظب وجميع ما كان على هذا الوزن، وهذا موضع زيادة حروف اللين، نحو: كوثر، وبيطر، وتابل، وضارب، وما أشبه ذلك وتزاد ثالثة في حبنطًى، وجَحَنفَل، وهو موضع زيادة الألف في قائل، وحبارى، والواو في جدول، وعجوز، والياء في عِثَير، وقضيب.
وكذلك تزاد النون رابعة في رَعشَن، وضَيفَن، بحذاء الواو والياء والألف في مثل قولك: سلقيت، وحبلى، وترقوة وعرقوة، وذها اكثر من أن يحصى.
وتكون النون علامة إعراب في مثل قولك يفعلان.
والتنوين الذي يدخل الأسماء، والنون الثقيلة والخفيفة في الأفعال، وتبدل من الألف، وتبدل الألف منها، تقول: رأيت زيدا يا فتى فإذا وقفت قلت: رأيت زيدا.
وأما بدلها من الألف فقولك في بهراء: بهراني، وفي صنعاء: صنعاني.
وكذلك فَعْلان الي له فَعْلى إنما نونه بدل من الألف التي هي آخر حمراء، وقد مضى تفسير هذا في الكتاب.
فهي تصرف معها في الزيادات والعلامات. وقد أدغمت فيما جاورها في المخرج، فأشبهنها - لفظاً ومعنى.
وكذلك الياء في باب الزيادات والشبه.
ومع ذلك فإن النون تدغم في الراء، والياء على طريق الراء، وإن يعد مخرجها منها.
وكذلك اللام على طريقها، ألا ترى أن الألثغ بالراء يجعلها ياءً. وكذلك الألثغ باللام، لأن هذه الحروف بعضها يقع على سنن بعض، وبعضٌ ينحرف عن ذلك السنن، فأدغمت في الياء لذلك.
فإذا كانت في كلمة واحدة مع ياءٍ، أو واو، أو ميم ظهرت، لئلا يلتبس بالمضاعف من غيره ؛ نحو: كنية، وزنماء، قنواء.
وزعم سيبويه أن النون إنما أدغمت في الواو، لأن الواو من موضع تعتل فيه النون، لأن الواو والميم من الشفة، ولذلك تقلب النون الساكنة مع الباء ميما، لتعتل مع الباء كما اعتلت مع ما هو من مخرجها، ولم تدغمهما فيها، لأنها لا تجانسها، ولأن الياء لا يدغم فيها ما هو من مخرجها، لتصرف الميم والواو، وذلك قولك: العنبر والشنباء يافتى، وممن أنت ؟ وأمن الالتباس، لأنه ليس في الكلام ميم ساكنة قبل باءٍ.
وأدغم النون في الياء لأن الياء والواو عنده بمنزلة ما تقاربت مخارجه.