لأن اللبس فيه مأمون
الجزء ١ · صفحة ٥٧فان قلت: انقط داود كان الإدغام بأن تطبق موضع الطاء أحسن لأن في الطاء إطباقا فيكرهون ذهابه. تقول: انقطا ود.
ولو قلت: انقداود كان حسنا. ولكن الاختيار ما ذكرت لك. وإن لم تدغم فجائز .
والظاء، والثاء، والذال هذا أمر بعضهن مع بعض في تبقية الإطباق وحذفه، وحسن الإدغام وجواز التبيين.
وفيما ذكرت لك من قرب المخارج وبعدها كفاية.
فأما قراءة أبي عمرو " هثوب الكفار ما كانوا يفعلون " فإن التبيين أحسن مما قرأ، لأن الثاء لا تقرب من اللام كقرب التاء وأختيها. وكذلك التاء في قراءته " بتؤثرون الحياة الدنيا " .
وليست هذه اللام كلام المعرفة لازمة لكل اسم تريد تعريفه. فليس يجوز فيها مع هذه الحروف التي ذكرت لك وهي ثلاثة عشر حرفا إلا إلادغام. وقد ذكرناها بتفسيرها.
وإنما يلزم الإدغام على قدر لزوم الحرف، ألا ترى أنها إذا كانت في كلمة واحدة لم يجز الإظهار: إلا أن يضطر الشاعر فيرد الشيء إلى أصله، نحو: رد، وفر، ودابة، وشابة، لأن الباء الأولى تلزم الثانية.
فأما قولهم: أنما تكلمانني، وتكلماني، وقوله: " أفغير الله تأمروني " وفي القرآن: " لم تؤذونني وقد تعلمون " فلان الثانية منفصلة من الأولى، لأنها اسم المفعول. تقول: أنما تظلمان زيدا، وأنتم تظلمون عمرا.
وأما دابة فهي فاعِلة، وكذلك رد فَعَلَ. فهما لازمة إحداهما للأخرى لا تنفصل منها. فإذا اضطر شاعر جاز ردد، وضنن كما قال :
تشكو الوجى من أظلٍ وأظلل
وقال:
مهلا أعادل قد جربت من خلقي … أني أجود لأقوام وإن ضننوا
وقال:
الحمد الله العلي الأجلل
واعلم أن ألف الوصل التي تكون مع اللام للتعريف تخالف سائر ألفات الوصل، وإن كانت في الوصل مثلهن.
وذالك أنها مفتوحة ؛ لأنها لم تلحق اسما ولا فعلا ؛ نحو اضرب، واقتل، وابن، واسم، وإنما لحقت حرفا، فلذلك فتحت وخولف بلفظها لمخالفة ما وقعت عليه الأسماء والأفعال.
فإذا كانت في درج الكلام سقطت كسقوط سائر ألفات الوصل. وذلك قولك: لقيت القوم فتسقط، وتقول: والقوم ذاهبون، وكذلك جميع ما صرفت فيه، إلا أن تلحقها ألف الاستفهام فتجعلها مدة، ولا تحذفها، فيلتبس الخبر بالاستفهام ؛ لأنها مفتوحة، فلو حذفتها لاستوى اللفظان. وذلك قولك في الاستفهام: آلرجل لقيك ؟ وقوله: " آلله خيرٌ أم ما يشركون " .
وكذلك ألف أيم ؛ لأنها لزمت اسما لا يستعمل إلا في القسم، فهو مضارع لألف اللام: تقول: آيم الله لقد كان ذاك، آيمن الله لقد كان ذاك. ولذلك قالوا: يا ألله اغفر لنا، لما كنت في اسم لا تفارقه وثبتت في الاستفهام فعلوا بها ذلك.
وكذلك: أفألله لتفعلن، لما وصفت لك.
فإذا كنت مستأنفة وتحركت اللام بعدها بحركة الهمزة فإن النحويين يختلفون فيها.
فيقول قوم: ألحمر جاءني فيثبتونها وإن تحركت اللام، ولا يجعلونها مثل قولك: " سل بني إسرائيل " ؛ لأنها كانت اسأل، فلما تحركت السين سقطت ألف الوصل.
فهؤلاء يحتجون بثباتها في الاستفهام، وأن ما بعدها ساكن الأصل، لا يكون إلا على ذلك وهؤلاء لايدغمون ما قبل اللام في اللام مما قرب جواره منها ؛ لأن حكم اللام عندهم حكم السكون. فلذلك ثبتت ألف الوصل.
ومنهم من يقول: لحمر جاءني، فيحذف الألف لتحرك اللام. وعلى هذا قرأ أبو عمرو " وأنه أهلك عاد لولى " .
وكان الأخفش يجيز: اسل زيدا ؛ لأن السين عنده ساكنة لأن الحركة للهمزة. وهذا غلط شديد ؛ لأن السين متصرفة كسائر الحروف ؛ وألف الوصل لا أصل لها، فمتى وجد السبيل إلى إسقاطها سقطت، واللام مبنية على السكون لا موضع لها غيره. فأمرها مختلف. ولذلك لحقتها ألف الوصل مفتوحة مخالفةً لسائر الألفات.
تم الإدغام قال أبو العباس: كنا قدمنا في أول كتابنا وبعد ذلك أشياء جرى ذكرها لما يشاكلها في مواضعها، ولم يكن موضع تفسيرها، فوعدنا أن نفسرها إذا قضينا القول فيما قصدنا له عند ذكرها.
فمن ذلك لام الخفض التي يسميها النحوييون لام الملك فقلنا: هي مكسورة مع الأسماء الظاهرة، ومفتوحة مع الأسماء المضمرة ؛ لعلة نذكرها. وهذا أوان ذكرها.
أصلها عندنا الفتح كما يقع مع المضمر ؛ نحو قولك: المال لك، والمال لنا، والدراهم لكم، ولهم. وكذلك كل مضمر.