أن
الجزء ١ · صفحة ٦٨و أما " إن ظنا أن يقيما حدود الله " وقولهم: معناه: أيقنا فإنما هو شيء متوقع، الأغلب فيه ذا، إلا أنه علم ثابت؛ ألا تراه قال: " فظنوا أنهم مواقعوها " لما كان أيقنوا.
و اعلم أن لا إذا دخلت على أن جاز أن تريد ب أن الثقيلة، وأن تريد الخفيفة.
فإن أردت الثقيلة رفعت ما بعدها؛ لأنه لا يحذف منها التثقيل إلا مع الإضمار. وهذا لك في باب إن وأن. وإنما تقع الخفيفة والثقيلة على ما قبلها من الأفعال ولا يجوز الإضمار إلا أن تأتي بعوض.
و العوض: لا، أو السين، أو سوف، أو نحو ذلك مما يلحق الأفعال.
فأما لا وحدها فإنه يجوز أن تريد ب أن التي قبلها الخفيفة، وتنصب ما بعدها؛ لأن لا لا تفصل بين العامل والمعمول به، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد؛ كما تقول: مررت برجل قائم، وقاعد. وذلك قولك: أخاف ألا تذهب يا فتى، وأظن ألا تقوم يا فتى؛ كما قال: " إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " .
و في ظننت وبابها تكون الخفيفة والثقيلة كما وصفت لك. قال الله عز وجل: " و حسبوا أن لا تكون فتنةٌ " وأن لا يكون فالرفع على: أنها لا تكون فتنة. وكذلك " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً " : أي أنه لا يرجع إليهم قولاً. لا يرون في معنى يعلمون، فهو واقع ثابت.
فأما السين وسوف، فلا يكون قبلهما إلا المثقلة. تقول: علمت أن سيقومون، وظننت أن سيذهبون، وأن سوف تقومون؛ كما قال: " علم أن سيكون منكم مرضى " . ولا يجوز أن تلغى من العمل والعمل كما وصفت لك.
و لا يجوز ذلك في السين وسوف؛ لأنهما لا يلحقان على معنى لا، فإنما الكلام بعد لا على قدر الفصل. قال: " لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرن " . ف يعلم منصوبةٌ، ولا يكون إلا ذلك؛ لأن لا زائدة. وإنما هو لأن يعلم. وقوله: " أن لا يقدرون " إنما هو: أنهم لا يقدرون. وهي في بعض المصاحف " أنهم لا يقدرون " .
هذا باب الفعل بعد أن وانقطاع الآخر من الأول اعلم أنك إذا أردت بالثاني ما أردت بالأول من الإجراء على الحرف لم يكن إلا منسوقاً عليه. تقول: أريد أن تقوم فتضرب زيداً، وأريد أن تأتيني وتكرمني، وأريد أن تجلس ثم تتحدث يا فتى.
فإذا كان الثاني خارجاً عن معنى الأول كان مقطوعاً مستأنفاً، وذلك قولك: أريد أن تأتيني فتقعد عني؟ وأريد أن تكرم زيداً فتهينه؟! فالمعنى: أنه لم يرد الإهانة. إنما أراد الإكرام. فكأنه في التمثيل: أريد أن تكرم زيداً فإذا أنت تهينه، وأريد أن تأتيني فإذا أنت تقعد عني، كما قال:
و الشعر لا يضبطه من يظلمه
إذا ارتقى فيه لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
يريد أن يعربه فيعجمه
أي: فإذا هو يعجمه. أي: فإذا هو هذه حاله. فعلى هذا يجري في هذا الباب.
و لو قال قائل: أريد أن تأتيني وأنت تكرمني، أي: أريد أن تأتيني وهذه حالك لجاز.
و تقول: أريد أن تتكلم بخير أو تسكت يا فتى. فالنصب على وجهين: أحدهما: أريد ذا أو ذا.
و الوجه الآخر: أن يكون حتى تسكت، كما تقول: لأجلسن معك أو تنصرف يا فتى. على قولك: حتى تنصرف.
فأما قوله عز وجل: " وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً " فإن النحويين يزعمون أن الكلام ليس محمولاً على أن يكلمه الله، ولو كان يرسل محمولاً على ذلك لبطل المعنى؛ لأنه كان يكون ما كان لبشر أن يكلمه الله أو يرسل، أي ما كان لبشر أن يرسل الله إليه رسولاً. فهذا لا يكون. ولكن المعنى والله أعلم ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً، أي: إلا أن يوحي، أو يرسل، فهو محمول على قوله وحياً، أي: إلا وحياً، أو إرسالاً.
و أهل المدينة يقرؤون أو يرسل رسولاً يريدون: أو هو يرسل رسولاً، أي فهذا كلامه إياهم على ما يؤديه الوحي والرسول.
و أما قوله " لنبين لكم ونقر في الأرحام " . على ما قبله، وتمثيله: ونحن نقر في الأرحام ما نشاء.
و أما قوله " و لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة " فيقرأ رفعاً ونصباً.
فأما النصب فعلى قوله " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس " أي ما كان له أن يقول للناس ولا أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة.
و من قرأ يأمركم فإنما أراد: ولا يأمركم الله، وقطعه من الأول.
فالمعنيان جميعاً جيدان يرجعان إلى شيءٍ واحد إذا حصلا.