ما جاء في النهي عن الحلف بغير الله
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠فكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: «لا تحلفوا بآبائكم» رواه أحمد ومسلم والنسائي، وعن قُتيلة بنت صيفي أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تنذرون(1 ) وإنكم تشركون وتقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت، رواه أحمد والنسائي، ولا تنافي بين هذه الأسباب لاحتمال أن يكون السبب الأصلي قول اليهودي ذلك، وأصل إنكار اليهودي حلف قريش بغير الله، وأن عمر لم يسمع النهي فحلف كعادتهم فأنكر عليه صلى الله عليه وسلم.
2- قوله: «من كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليصمُت» بضم الميم أي يسكت: والمعنى من شاء منكم أن يحلف فليحلف بالله تعالى، ومن لم يشأ أن يحلف بالله فليسكت ولا يحلف بغير الله، قال العلماء: والسرُّ في النهي أن الحلف بالشيء، يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وذاته وصفاته، وعلى ذلك اتفق العلماء.
واختلف في وجه النهي فقيل: حرام، وقيل: مكروه، وحكى ابن عبدالبر الإجماع على عدم الجواز، وقيل: إن اعتُقِد في المحلوف ما يعتقد في الله تعالى من العظمة كان بذلك الاعتقاد كافراً مشركاً.
وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله تعالى ففيه جوابان: أحدهما أن فيه حذفاً والتقدير ورب الشمس ونحوه، والثاني: أن ذلك يختص بالله، فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم(2 ) به وليس لغيره، ذلك هو الوجه الذي اعتمده ابن النظر في قوله:
فبالله حقاً يقسم الله ربنا وبالخلق مما شاء من خلقه قَسَمْ
كوالتين بل والليل والطور مثله وليس لخلق واسعاً غيرهُ قسَمْ
وأما ما وقع مما يخالف ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم لأعرابي: «أفلح وأبيهِ إن صدق»، فقد أجيب عنه بأجوبة: الأول: الطعن في صحة هذه اللفظة كما قال ابن عبدالبر أنها غير محفوظة(3 )، وزعم أن أصل الرواية: «أفلح والله» فصحفها.