[سورة البقرة — آية 7]
﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ ﴾ قيل : الختم التغطية ، لأنَّ في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلَّع عليه . وقال ابن عباس : << طبع الله على قلوبهم ، فلا يعقلون الخير >> يعني أن الله طبع عليها فجعلها حيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ، ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان ، وحاصل الختم والطبع والرَّين والحجابِ والعمى والغطاء خلق الظلمة والضيق في صدر العبد عندنا ، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه . وقال بعضهم : إن إسناد الختم إلى الله تعالى مجاز ، والخاتم في الحقيقة الكافر ، إلا أنه تعالى لمَّا كان هو قدَّره ومكَّنه أسند إليه الختـم .
﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ البصر : نور العين ، وهو ما يبصر به الرائي ، كما أن البصيرة نور القلب ، وهو ما به يستبصر ويتأمَّل ؛ وكأنَّهما جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى ، فيهما آلتين للإبصار والاستبصار . والغشاوة : الغطاء والأسماع داخلة في الختم ، لا في حكم التغشية . قال أبو المنصور : << الكافرُ لمـَّا لم يسمع قول الحقَّ ، ولم ينظر في نفسه وغيره من المخلوقات ، ليرى آثار الحدث ، فيعلم أن لا بدَّ له من صانع ، جُعل كأنَّ على بصره وسمعه غشاوة ، وإن لم يكن ذلـك حقيقة >> . والغشاوة فِعَالَة من ’’غشاه‘‘ ، إذا غطَّاه .
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ ومعنى التنكير أنَّ على أبصارهم نوعا من التغطية غير ما يتعارفه الناس ، وهو غطاء التعامي عن آيات الله ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب ، لا يعـلم كنـهه إلا الله ، والفرق بين العظيم والكبير أنَّ العظيم يقابل الحقير ، والكبير يقابل الصغير . والعذاب قيل ما يمنع الإنسان عن مراده ، كأنَّهم مُنعوا عن مرادهم الحقيقي ، إلا أنهم لم يعلموا به ، ولذلك قال : (وَمَا يَشْعُرُونَ ) ، ( لعلَّهُ ) لأنَّهم تركوا التفكُّر عن حقيقة مـآلهم فصاروا معذَّبين في الدنيا والآخرة في المعنى ، لأنَّ مـا بـهم من دنياهم ليس بثابت ، فليس بشيء في الحقيقة ؛ والمؤمنون يضدِّ ذلك ، فهم منعَّمون في الدنيا والآخرة ما ينالهم من المكروهات في الدنيا ليس بباقٍ ، ولهم الثواب عليـه .