[سورة البقرة — آية 124]
قوله : ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أي : عمل بهن . وقال بعضهم : فأكملهن ووفّى بهن ، وهو واحد .
ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول : هي المناسك .
وكان الحسن يقول : ابتلاه الله بأمور فصبر عليها؛ ابتلاه الله بالكوكب والقمر والشمس فحبس نفسه في ذلك ، وعلم أن الله دائم لا يزول ، فوجَّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض . ثم ابتلاه بالنار فصبر على ذلك . ثم ابتلاه بالهجرة ، فخرج من بلاده ومن عند قومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله . ثم ابتلاه بذبح ابنه فصبر . وابتلاه بالختان على كبر سنه فصبر على ذلك كله . ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اختتن إبراهيم بعدما أتى عليه ثمانون سنة بالقدوم » .
وتفسير الكلبي أنها العشر خصال : خمسة في الرأس وخمسة في الجسد . فأما اللواتي في الرأس : فالمضمضة والاستنشاق وقصّ الشارب والسواك وفرق الرأس . وأما اللواتي في الجسد : فالاختتان وحلق العانة ونتف الابطين وتقليم الأظافر والاستنجاء .
وقال بعضهم : ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء ، هن في الإِنسان سنة : الاستنشاق ، وقص الشارب ، والسواك ، ونتف الإِبطين ، وتقليم الأظفار ، وغسل البراجم ، والختان ، وحلق العانة ، وغسل الدبر والفرج .
قال الكلبي : فلما فعلهن سأل ربه كلمات فأعطاهن إياه . منهن قوله : ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ﴾ [ البقرة : 128-129 ] ففعل الله ذلك ، ثم زاده ما لم يسأل .
﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ ﴾ يا إبراهيم ﴿ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ يقتدون بك فيهتدون بهداك وبسنتك . فأعجب ذلك إبراهيم ف ﴿ قَالَ ﴾ صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ وفي الآية إضمار . يقول : يا رب ومن ذريتي فاجعل إماماً ، أي من كان من ذريتي ، فأجابه ربه ف ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ وفي الآية إضمار فتفهموها فإنها تقضي بين الخلائق . أي لا ينال عهدي الظالمين من ذريتك ، أي : لا أجعلهم أئمة يقتدى بهم في ظلمهم .
وقال مجاهد : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات هو قوله : ﴿ إِني جاعلك للناس إِماماً ﴾ والمقام والآيات التي في المناسك .
وقال بعضهم : ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ أي : ينقطع عهدهم في الآخرة . والتأويل ما وصف أولاً .
وقال مجاهد : لا عهد لظالم في ظلم يأمرك به أن تطيعه فيه . وقول مجاهد : عدل صحيح .
وقال بعضهم : ذلك يوم القيامة عند الله لا ينال عهدَه ظالم . فأما في الدنيا فقد نالوا عهد الله؛ يعني بذلك المنافقين؛ قال : فوارثونا بالعهد الذي أقرّوا به للمسلمين وغازوهم به وناكحوهم به : فإذا كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه وأهل طاعته الذين أوفوا بعهده ، وأكملوا فرائضه . وهو كقوله : ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ [ البقرة : 40 ] فالوفاء بعهد الله إكمال فرائضه وإتمام شرائعه والوفاء بعهدهم أن يدخلهم الجنة إذا فعلوا ذلك .