من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة
الجزء ١ · صفحة ١١تَشْهَدُونِ} (سورة النمل: 32) … فطلبت رأيهم، واعتبرت رؤاهم، فما كانت النتيجة إلاَّ أن قالوا: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالاَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ﴾ (سورة النمل: 33).
نعم، إنَّ الرأي الحصيف لا يعني إقصاء الآخر، ولا التملق للآخر، بل الرأي الحصيف هو احترام وسماحة، وهو مواجهة وصراحة …
ومما اشتكى منه الشيخ حمو بن عمر فخَّار في نهاية عمره، هذا الركون إلى الوَحدة المزيفة، وذلكم السكوت عن الباطل باسم «مراعاة العواطف»، ولَكَم اشتكى لي في الخلوات همَّه هذا، ولكم آسفه ما آل إليه بعض المصلحين في أواخر أيامهم، حتى صار البعض منهم، حسب تعبيره: جامدين فوق اللزوم …
ولقد آثر الشيخ حمُّو فخَّار المواجهة والصراحة، وكان واضحًا في مواقفه، مخلصا لاختياراته، لا يرى في ذلك ظلما ولا حيفا، بل إنَّ ما يفعله هو عين الحقِّ ولبُّ الصلاح … أمَّا الوحدة المزيفة فهي الفساد بعينه، والانهزام بروحه …
علينا أن نفرِّق - بدقَّة - بين الوحدة الحقَّة الصادقة، والوحدة الزائفة الكاذبة؛ أمَّا الأولى فتبنى على الدفاع عن المواقف، واحترام مواقف الآخرين، وتؤسَّس على روح من الخُلق الحميد، والحوار الرصين … ولا يعني الاختلافُ أن يؤول الناس إلى شقاق أو نزاع مذموم، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 46).
أمَّا الوحدة الزائفة، فأساسها السكوت عن مواطن الاختلاف، وغضُّ الطرف عن مواضع التباين، مراعاةً للعواطف حين الاجتماعات واللقاءات، أمَّا إذا غادر المتوحِّدون مجالسهم فإنهم يتحولون إلى أعداء ألِدَّاء، ويصرِّحون تصريحات خطيرة في الحكم على بعضهم البعض، ولا يراعون في ذلك إلاَّ ولا ذمَّة …
وحسب تقدير الشيخ، وإنَّا لنوافقه في ذلك، فإنَّ بعض الهيئات في وادي ميزاب، وبعض الأشخاص في تلكم الهيئات، يعملون تحت مظلَّة النوع الثاني من الوحدة، وهم في ذلك مخطئون ومنحرفون …
ولا ينفي هذا الحكم وجودَ العديد من العلماء والسياسيين ممن صدق في موقفه، وآثر الوحدة بمدلوها الإيجابي البنَّاء، غير أنَّ منهم من استطاع أن يتناسق مع اختياره، ومنهم من لم يستطع …
وقراءة متأنية لتراث الشيخ حمُّو فخَّار، تفتح لنا آفاقا واسعة في معنى الوحدة، وفي مدلول الجهاد والاجتهاد، نُصرة للفكرة وللحركة …
ولعلِّي أكتفي في هذه العجالة بما ورد في مراسلاته، التي هي طور الطبعِ، ولقد توفي رحمه الله تعالى وهي تنتظر التصحيح الأخير منه، ومن حسن القدر أنَّه قد كتب مقدَّمة لها، أدعو الله أن ييسر السبل لطبعها في أقرب الآجال …