منهج التخريج العلمي للحديث
الجزء ١ · صفحة ٨١منهج التخريج العلمي للحديث
(دراسة تطبيقية)
أ/ صالح بن محمد حمدي
المتوسطة العلمية الجديدة، الحميز - الجزائر
إن معظم العلوم الإسلامية التي ترتكز على النقل والرواية، هي في مسيس الحاجة إلى علم الحديث؛ إذ أنَّ أهم فوائده: اكتشاف الأخطاء والأوهام التي تقع من الرواة بشكل طبيعي - مهما فاقت قدراتهم في حفظ الحديث وضبطه - كما يكشف بهذا العلم افتراء المغرضين المتروكين من الرواة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أو فيما ينقلونه من الآثار (1).
لكن هذه الفوائد لن تجنى ما لم تمارس على الرواية: القواعد الحديثية التي مارسها المحدثون في عصر الرواية ونظّرها المتأخرون في كتبهم المعروفة بكتب علم مصطلح الحديث. هذه الممارسة ينبغي أن تكون بشكل منهجي متكامل يشمل كل نواحي علم الحديث؛ وهو ما يمكن تسميته اليوم: التخريج العلمي للحديث.
فما هي حقيقة التخريج؟ وهل هناك تخريج علمي وآخر غير علمي؟
ذلك ما سنحاول الإجابة عنه من خلال النقاط الآتية:
*أولا: مفهوم التخريج والهدف منه؟
*ثانيا: الخطة العملية المقترحة للتخريج؟
أولا: مفهوم التخريج والهدف منه
لفظ التخريج في اللغة؛ له معانٍ عدَّة؛ القاسم المشترك بينها وبين ما يستخدمه المحدِّثون هو معنى الإظهار والإبراز عموما (2).
(أ) عند المحدِّثين القدامى:
أطلق هؤلاء مصطلح التخريج وأرادوا به مفاهيم شتى؛ فمن بينها:
رواية الحديث وإخراجه:
بمعنى إبرازه للناس بذكر مخرجه، أي رجال إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم، فيقولون مثلا: هذا حيث أخرجه البخاري أو خرّجه البخاري، أي رواه وذكر مخرجه بسنده (3).
عزو الحديث إلى مصادره الأصلية (4):
وذلك بذكر من رواه من المصنفين مع إشارة موجزة إلى أحوال إسناد الحديث؛ كما فعل السيوطي في كتابيه: الجامع الصغير والكبير، والهيثمي في كتابه: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، وغيرهما ممن حذا حذوهما (5).
انتقاء الأحاديث الغرائب أو الصحاح أو كليهما من كتاب معين:
مع عزوها إلى أصحابها، أي بيان من رواها من المتقدمين كأصحاب الصحاح والسنن وغيرها، وذلك ما نلحظه مثلا في كتاب: الفوائد المنتخبة من الصحاح والغرائب، لأبي القاسم المهرواني، تخريج الخطيب.
(ب) التخريج عند المعاصرين:
عرَّف محمود الطحان - أستاذ الحديث بجامعة الكويت - مصطلح تخريج الحديث بقوله: «هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده؛ ثم بيان مرتبته عند الحاجة» (6).
وعند النظر إلى حقيقة التخريج وأغراضه العلمية؛ نجد بعض الخلل في هذا التعريف: إذ حصر وظيفته في مجرد الدلالة على مظان الحديث الأصلية؛ وذلك أن التعريف لم يفرق بين التخريج الفني والتخريج العلمي، فما ذكره الأستاذ إنما يخدم الجانب الفني الشكلي للتخريج فحسب (7)، فهل يكتفى بهذا الجانب؟